لم تلجأ
إسرائيل في اعتداءات الثامن من نيسان إلى عملية مشابهة لـ "خدعة البيجر"، بل عمدت إلى توسيع غاراتها على مختلف الأراضي
اللبنانية، ولا سيما على عدد من أحياء العاصمة من دون سابق إنذار. وهذه الاعتداءات هي الأعنف منذ بدء الحرب بما أنزلته من إصابات اعترفت
تل أبيب بأنها "الأكثر دموية"، حيث شاركت فيها ما يقارب الخمسين طائرة حربية، لكن النتيجة المأسوية شبيهة كثيرًا بمأساة "البيجر الأولى".
وقد جاءت هذه الاعتداءات غير المسبوقة وغير المفاجئة عقب التوصّل إلى اتفاق بين
واشنطن وطهران لوقف الحرب لمدة أسبوعين، في الوقت الذي سارع فيه رئيس الحكومة
الإسرائيلية إلى نفي أن يكون
لبنان مشمولًا بهذا الاتفاق.
وفي رأي بعض الخبراء أن هذا الإصرار على مواصلة الحرب على لبنان، والتي دخلت يومها الأربعين، بالنسبة إلى
نتنياهو هو "الخرطوشة الأخيرة" المتبقية له. وفي التقدير أنه لو أوقف هذه الحرب من دون تحقيق أهدافها يعني نهايته السياسية، وذلك نظرًا إلى السخط، الذي يواجهه من الداخل
الإسرائيلي.
لكن ما يحصل في لبنان لا يمكن فصله عن الحسابات الداخلية الإسرائيلية. فنتنياهو، المحاصر سياسيًا وقضائيًا، يدرك أن وقف الحرب من دون تحقيق إنجاز واضح قد يسرّع نهايته، ولذلك يبدو وكأنه يقاتل بآخر أوراقه، لا فقط في الميدان، بل في السياسة أيضًا.
وفي هذا السياق، تتحول
الجبهة اللبنانية إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات، لا فقط مع "
حزب الله"، بل مع الداخل الإسرائيلي نفسه. فكل غارة، وكل تصعيد، قد لا يكون هدفه تغيير المعادلة العسكرية بقدر ما هو محاولة لشراء الوقت وتأجيل التسويات.
لكن هذه الحسابات، مهما كانت دوافعها، تبقى على حساب لبنان. بلد يُستخدم مرة جديدة كمنصة رسائل، وكجبهة بديلة، وكورقة ضغط في صراعات لا يملك قرارها.
الأخطر أن التصعيد بهذا الشكل لا يعكس فقط رغبة في تحقيق أهداف عسكرية، بل قد يكون أيضًا تعبيرًا عن مأزق: ما، إذ أنه عندما لا تستطيع إنهاء الحرب، ترفع وتيرتها، وعندما لا تحقق إنجازًا، تبحث عن صورة إنجاز.
وفي الحالتين، يبقى لبنان أمام معادلة خطيرة: كلما اقتربت التسويات في مكان، اشتعلت الجبهات في مكان آخر.
ولهذا، قد لا يكون ما حصل في 8 آذار مجرد يوم عسكري عنيف، بل مؤشر إلى مرحلة أكثر خطورة، حيث تتحول الحروب إلى أدوات بقاء سياسي، وتتحول الدول الصغيرة إلى ساحات مفتوحة لهذه الحروب.
ولكن، وبعد كل جولة تصعيد، وبعد كل غارة أعنف من سابقتها، يعود السؤال نفسه إلى الواجهة: هل يمكن أن تتوقف الحرب الإسرائيلية على لبنان؟ أم أن ما نشهده ليس سوى فصل من حرب طويلة تُدار بإيقاع مدروس؟
الجواب، كما في كل الحروب المرتبطة بالمنطقة، ليس بسيطًا. فالحرب في الجنوب لم تعد مجرد مواجهة بين لبنان وإسرائيل، بل أصبحت جزءًا من صراع إقليمي أوسع، تتداخل فيه حسابات
إيران والولايات المتحدة، وتتقاطع فيه مصالح دولية تتجاوز حدود الجغرافيا اللبنانية.
من جهة إسرائيل، لا يبدو أن قرار وقف الحرب مرتبط بالوقت بقدر ما هو مرتبط بالنتائج. فتل أبيب لا تريد العودة إلى ما كان قبل الحرب، بل تسعى إلى فرض واقع أمني جديد يضمن لها هدوءًا طويل الأمد في
الشمال. وهذا يعني عمليًا أن وقف العمليات لن يحصل إلا إذا شعرت أنها حققت حدًا أدنى من أهدافها، أو إذا اقتنعت بأن كلفة الاستمرار أصبحت أعلى من فائدته.
في المقابل، لا يبدو أن "حزب الله" في وارد الذهاب إلى حرب شاملة، لكنه في الوقت نفسه لا يستطيع أن يظهر بموقع المتراجع. وهنا تكمن معادلة دقيقة، وهي: تصعيد محسوب، من دون انفجار كبير، وانتظار لما ستؤول إليه التفاهمات الإقليمية. أما إيران، التي تمسك بخيوط هذه الجبهة، فتنظر إليها كورقة ضغط في مفاوضاتها الأوسع، لا كساحة معركة نهائية.
أما
الولايات المتحدة، فهي اللاعب الذي يحاول ضبط الإيقاع. لا تريد حربًا شاملة بين إسرائيل و"حزب الله"، ولا تريد انهيار لبنان بالكامل، ولا توسعًا إقليميًا قد يهدد استقرار المنطقة. لذلك، تدفع باتجاه ما يشبه التسوية: وقف إطلاق نار، مقابل ترتيبات أمنية جديدة، تعيد تفسير القرار 1701 وتشدّد على تطبيقه.