تصفّح بدون إعلانات واقرأ المقالات الحصرية
|
Advertisement

لبنان

سقوط الملاذ الأخير.. غارات "الأربعاء الأسود" تحوّل بيروت إلى ساحة مكشوفة

حسين خليفة - Houssein Khalifa

|
Lebanon 24
09-04-2026 | 06:00
A-
A+
سقوط الملاذ الأخير.. غارات الأربعاء الأسود تحوّل بيروت إلى ساحة مكشوفة
سقوط الملاذ الأخير.. غارات الأربعاء الأسود تحوّل بيروت إلى ساحة مكشوفة photos 0
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
A+
A-
لم يكن "الأربعاء الأسود" يومًا عاديًّا في سجل الحرب المفتوحة على لبنان، بحيث يمكن إدراجه ضمن إيقاع التصعيد المعتاد. فالمشهد الذي عاشته بيروت في ذلك اليوم حمل معنىً أوسع من عدد الغارات وأماكنها، لأنّ ما اهتزّ فعليًا كان صورة العاصمة نفسها في الوعي الجماعي: المدينة التي ظل كثيرون ينظرون إليها، حتى في أقسى الأسابيع وأشدّها صعوبة، بوصفها المساحة الأخيرة القابلة لالتقاط الأنفاس.
 
في التوقيت، جاءت الهجمات بعد ساعات من مناخ تفاؤل حذر غذّته الأحاديث عن وقف إطلاق نار لمدة أسبوعين، وعن احتمال أن ينسحب هذا المناخ على لبنان أيضًا. ولهذا كان وقع الغارات أشد قسوة، فالمسألة لم تكن محصورة في عنف القصف، وإنما في الصدمة النفسية الناتجة عن انتقال الناس خلال وقت قصير من ترقّب انفراج محتمل إلى مواجهة واحدة من أعنف موجات النار التي شهدتها العاصمة منذ مدة طويلة، وتحديدًا منذ اجتياح 1982.
 
من هنا، تبدو قراءة "الأربعاء الأسود" من زاوية سقوط الملاذ الأخير أكثر تعبيرًا عن حقيقة ما جرى، خصوصًا بعدما وجد الناس أنفسهم يهربون من القصف، من دون أن يدروا إلى أين يذهبون بالتحديد، فحين تفقد بيروت قدرتها على أداء وظيفة الحماية النفسية، يدخل لبنان كله مرحلة مختلفة: مرحلة لا يعود فيها النزوح انتقالاً من الخطر إلى مكان أقل خطرًا، وإنما انتقالاً من خوف إلى خوف، ومن قلق إلى قلق، ومن انتظار هدنة إلى الإقامة داخل الهلع نفسه.
 
حين فقدت بيروت وظيفتها النفسية
 
على امتداد الأشهر الماضية، حافظ كثير من اللبنانيين على نوع من التمييز الداخلي بين الجنوب بوصفه جبهة مفتوحة، وبين بيروت بوصفها عاصمة تتعرض للضغط أحيانًا، لكنها تبقى قابلة للحياة. هذا التمييز لم يكن سياسيًّا بقدر ما كان نفسيًّا، فالناس الذين غادروا الجنوب أو البقاع أو الضاحية كانوا يحتاجون إلى نقطة يتكئون عليها، إلى مكان يظنون أن بإمكانه أن يمنحهم حدًّا أدنى من الطمأنينة، حتى لو كان ذلك على سبيل الوهم المؤقت.
 
جاء "الأربعاء الأسود" ليكسر هذا التوازن الهش دفعة واحدة. فحين تُستهدف أحياء معروفة في قلب العاصمة أو على تماس مباشر مع نسيجها المدني المكتظ، يسقط الحاجز المعنوي الذي كان يفصل بين الجبهة والمدينة. وفي هذه اللحظة تحديدًا، يصبح السؤال مشروعًا عن وجهة الناس، فأين يذهبون هذه المرّة بعدما تبيّن أن الأمان الذي كانوا يطاردونه يتراجع أمامهم خطوة إضافية، وبالتالي أنّ النزوح بات ببساطة رحلة نحو المجهول.
 
لهذا السبب، لم تكن المشاهد التي ملأت الشوارع تعبيراً عن ذعر عابر. كانت أقرب إلى إعلان جماعي عن فقدان الثقة بخرائط النجاة كلها. سيارات محمّلة بما تيسر حمله، عائلات تركض من دون وجهة واضحة، وجوه مذهولة، وأطفال يخرجون من البيوت من دون فهم ما يجري.  في مثل هذه اللحظات، لا تقتصر أضرار القصف على الحجر، ولا حتى البشر ممّن يستشهدون أو يصابون، بل هو يصيب الوظيفة النفسية للعاصمة، ويحوّلها من ملاذ إلى ساحة مكشوفة أخرى.
 
لبنان خارج التهدئة وداخل الرسائل
 
ما ضاعف وقع هذا الانهيار المعنوي أن الغارات جاءت في توقيت ملتبس سياسيّا. فالكلام عن وقف إطلاق نار "أميركي-إيراني" خلق انطباعًا أوليًّا بأن لبنان قد يكون مشمولاً بمناخ التهدئة، حتى إنّ رئيس الوزراء الباكستاني أعلن ذلك في البداية. غير أن الساعات التالية أظهرت العكس، مع قرار رئيس الوزراء الإسرائيلي أنّ الجبهة اللبنانية غير معنية، ويوافقهم الأميركيون، ليتبيّن أنّ لبنان ليس جزءًا مضموناً من أي تفاهم إقليمي حاليًّا.
 
هذا المعطى يمنح "الأربعاء الأسود" معنىً إضافيًّا، فالعاصمة تعرضت لرسالة قاسية مفادها أن لبنان قد يبقى خارج أي انفراج يلامس الساحات الأخرى. وفي هذا السياق، يتحول القصف إلى أداة سياسية تقول للبنانيين إنهم قد يدفعون ثمن تفاهمات ناقصة، لا مكان فعليًّا لهم فيها إلا بوصفهم الحلقة الأضعف، بل بدا أنّ بيروت كانت تدفع "ثمن" اتفاق لم يرضِ نتنياهو، فقرّر أنّ "ينتقم" على طريقته، وبدم اللبنانيين الأبرياء، كما درجت الحادة.
 
وهنا، لا بدّ من الإشارة إلى انّ الخطورة الاجتماعية لما جرى لا تقل عن خطورته العسكرية، فبيروت لم تكن مدينة عادية في حساب اللبنانيين خلال هذه الحرب، وإنما كانت مركز الثقل البشري والنفسي والمؤسساتي. وحين تهتز العاصمة على هذا النحو، يهتز معها الإحساس العام بإمكان استمرار الحياة ولو في صورتها الدنيا. لهذا بدا "الأربعاء الأسود" كأنه ضربة للبنية المعنوية لما تبقى من البلاد، لا للأحياء المستهدفة فقط. والأخطر أنّ هذه الصدمة وقعت فوق مجتمع منهك أصلاً بالنزوح والانهيار الاقتصادي، فبدا الهلع مفهومًا: الناس لم يهربوا من غارة فحسب، وإنما من شعور متراكم بأن لا سقف يحميهم، ولا مدينة تستطيع البقاء خارج النار إلى الأبد.
 
في المحصلة، قال "الأربعاء الأسود" إن بيروت فقدت، ولو للحظات، صورتها كملاذ أخير. وهذه خسارة نفسية وسياسية في غاية الخطورة؛ لأن العاصمة حين تبحث عن أمانها، يبحث معها البلد كله عن مكان ينجو فيه، فلا يجد سوى مزيد من الارتباك والخوف. وهكذا، تبدو المشكلة أبعد من غارات اشتدّت، أو من قصف باغت الناس في بيوتها، ولكن في اكتشاف الناس أنّ المسافة بين الجبهة والمدينة باتت أضيق من أي وقت مضى، وأن الملاذ الأخير نفسه صار يحتاج إلى من ينقذه!
Advertisement
مواضيع ذات صلة
تابع
Advertisement

أخبارنا عبر بريدك الالكتروني

إشترك

حسين خليفة - Houssein Khalifa