كان مُتوقعاً البيان الذي أصدرهُ "
الثنائي الشيعي"، أمس السبت، والذي أعلن الدعوة إلى عدم التظاهر وسط المرحلة الدقيقة التي يمرُّ بها
لبنان.
عملياً، جاء هذا البيان وسط التظاهرة التي نفذها مناصرو "الثنائي" في وسط
بيروت، السبت، رفضاً للمفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، فيما رفعوا شعارات أخرى ضدّ رئيس الحكومة نواف سلام.
البيان الذي صدر حمل إشاراتٍ باتجاه شارع "
حزب الله" بشكلٍ خاص، علماً أن حركة "أمل" لم تدعُ إلى التظاهر أو التحرك، بينما الذين شاركوا في الاعتصامات والتحركات خرجوا من تلقاء أنفسهم من دون أي توجيه حزبي عام كان سيُعلن عنه بطبيعة الحال.
ضُمنياً، أتى هذا البيان ليلجم تحركات المحسوبين على "حزب الله"، الذين يحاولون استخدام لعبة الشارع وسط الحرب
الإسرائيلية على لبنان. فعلياً، هؤلاء هم بضعُ جهات تظهر بين الحين والآخر عبر مواقع التواصل الإجتماعي لتجييش الشارع تحت شعاراتٍ ومقولات يسعون من خلالها للعب على عواطف
النازحين المتعاطفين مع "حزب الله"، وكل ذلك من أجل الضغط باتجاه الحكومة والقول إنَّ لعبة الشارع ستفرض نفسها في أي وقت حتى بعد انتهاء الحرب.
في الواقع، كان بيان "الثنائي" رسالة للجمِ كل من يحاول استخدام ورقة الشارع من تلقاء نفسه، سواء من داخل "حزب الله" أو من مناصريه، ذلك أن هناك أيادٍ خفية تسعى لتحريك الساحات والضغط أكثر على مؤسسات الدولة من دون معرفة عواقب الأمر.
مع ذلك، فإنَّ التجمعات التي تمّـت أمام السراي الحكومي وآخرها، أمس السبت، لم تكن عفوية فيما لم يكن دورها مساهماً في تعزيز روح الانتماء الوطني كما ظهر من خلال استخدام أعلام أحزاب هي أصلاً مناوئة لـ"حزب الله". وسواء كان منظمو التحركات يعلمون أو لا يعلمون، فإن إضعاف الحكومة وإسقاطها يعني اتجاه لبنان نحو المجهول، وبالتالي الدخول في فراغٍ سياسي لا تستثمر به إلا
إسرائيل. الأمرُ هذا تعيه حركة "أمل" بشكل خاص، ولهذا السبب فهي تبتعدُ عن لعبة الشارع تماماً، ولهذا السبب لم
تعلن عن أي تحركات على الاطلاق.
في الواقع، فإن أقوى سلاحٍ اليوم بوجه مخططات إسرائيل هو التمسك بالدولة، اما الانجرار وراء الفتنة والترويج لخطابات تحريضية بين الحين والآخر، إنما يُعطي إسرائيل ذريعة أقوى لتفتيت لبنان. وفي الواقع، فإن التجربة التي تدل على ذلك لم تمُت بل حاضرة حتى الآن، إذ أنه عام 1978، استطاعت إسرائيل أن تتوغل في لبنان وتجتاحه جزئياً في ذروة الانقسامات الداخلية
اللبنانية إبان الحرب الأهلية اللبنانية التي اندلعت عام 1975. أيضاً، تمكنت إسرائيل من تنفيذ اجتياحها الثاني عام 1982 حينما كان الإنقسام حاداً أيضاً، وما زاد توغلها أكثر في لبنان هو عدم وجود رؤية وطنية موحدة لمواجهة هذه الاجتياحات ولجمها.
اليوم، يُفترض بشارع يحركه جناح داخل "حزب الله"، عدم الانقضاض على الحكومة تحت ذريعة أنها تريد التطبيع مع إسرائيل. أصلاً، لم يرِد في أي خطاب حكومي ورسمي أي عبارة في هذا الشأن، بينما هناك تصوير لجهود
الدولة على أنها ضعيفة وبالتالي لا ثقة بها. فمن جهة، يريد الشارع المذكور الدولة ومن جهة أخرى يشتمها ويرفضها..
في خلاصة القول، تعتبر مجازفة الشارع من أخطر المجازفات، وإن كان هناك من خطوة أساسية تحفظُ لبنان فلا تكون إلا من خلال الالتفاف حول الدولة وتعزيز مؤسساتها. بهذا الأمر، يكون السلاح الأقوى في وجه إسرائيل قد تكرس مؤسساتياً وشعبياً، لأن حجة إسرائيل دائماً هو ضعف
الدولة اللبنانية وبالتالي الانقضاض على أراضيها. لهذا، فلنقوّ الدولة ونتمسك بها قبل أي شيء.