مع تثبيت وقف إطلاق النار في لبنان، يتعزز انطباع حاسم بأن مسار المفاوضات الإيرانية – الأميركية كان العامل الذي فرض هذه التهدئة، وليس فقط الحسابات الميدانية المباشرة.
فالمؤشرات السياسية المتراكمة توحي بأن
طهران ربطت بوضوح بين تقدم التفاوض مع
واشنطن وبين حسم ملف
الجبهة اللبنانية، بحيث يصبح ضبط الإيقاع العسكري جزءًا من التفاهمات غير المعلنة بين الطرفين.
ومع ذلك، من المتوقع أن يبقى هذا التفسير موضع جدل واسع داخل الساحة الإعلامية اللبنانية، حيث سيتنافس أكثر من طرف على تثبيت سرديته الخاصة حول من فرض وقف النار ومن استفاد منه، في إطار صراع سياسي وإعلامي لا يقل شراسة عن المواجهة العسكرية نفسها.
ورغم إعلان وقف إطلاق النار، فإن القراءة الواقعية تشير إلى أنه سيكون هذه المرة أكثر هشاشة من أي مرحلة سابقة. السبب الأساسي يعود إلى قرار حاسم داخل
حزب الله بمنع حصول أي خرق من دون رد مباشر، في محاولة لتفادي تكرار تجربة عام 2024، حين أدى التساهل النسبي مع بعض الخروقات إلى تراكم وقائع ميدانية أضعفت معادلة الردع وأعطت خصومه هامشًا أوسع للمناورة.
هذا القرار يرفع منسوب التوتر الكامن، ويجعل أي حادث ميداني محدود قابلًا للتحول سريعًا إلى مواجهة أوسع، ما يبقي احتمال تجدد الحرب قائمًا في أي لحظة.
وعند مقارنة نتائج الحرب السابقة بالحرب الحالية، حتى اللحظة على الأقل، تظهر مجموعة من الفوارق اللافتة التي تعكس تحولات في الأداء والخيارات. أول هذه الفوارق يتمثل في غياب أي
التزام واضح من الحزب بالانسحاب جنوب النهر، وهو ما يعكس تمسكًا بمواقع النفوذ الميداني وعدم تقديم تنازلات جغرافية تُفسَّر على أنها تراجع تحت الضغط. هذا المعطى يمنح الحزب هامش حركة أوسع.
أما الفارق الثاني، فيرتبط بتنامي الحافزية للرد على أي خرق إسرائيلي، بهدف تثبيت معادلة ردع واضحة المعالم. لم يعد الهدف مجرد امتصاص الضربات أو إدارة الاشتباك، بل فرض قواعد اشتباك جديدة تجعل أي خرق مكلفًا منذ اللحظة الأولى. هذه المقاربة تحمل في طياتها رسالة مزدوجة: طمأنة للبيئة الحاضنة، وتحذير للطرف المقابل من اختبار حدود الصبر.
الفارق الثالث يتمثل في ما يُنظر إليه كإثبات قدرة عالية على الترميم وإعادة تنظيم البنية العسكرية والسياسية بعد سقوط النظام السوري كحليف مركزي في معادلة الإسناد الإقليمي. فالتعامل مع هذا التحول الكبير تطلب إعادة توزيع للموارد وبناء شبكات دعم بديلة، وهو ما انعكس في استمرار القدرة على العمل الميداني وعدم الانكفاء.
أما الفارق الرابع، فيتجلى في تكريس مفهوم وحدة الجبهات، حيث فرضت
إيران جزءًا من معادلة حرب ثنائية الطابع بين الحزب وإسرائيل، لكنها محكومة بإيقاع إقليمي أوسع. هذا الواقع يجعل أي مواجهة مستقبلية أكثر تعقيدًا، لأن حدودها لم تعد محصورة بجغرافيا لبنان وحده، بل مرتبطة بحسابات إقليمية ودولية متشابكة.
يبدو وقف إطلاق النار الحالي أشبه بهدنة مؤقتة أكثر منه تسوية مستقرة. فالعوامل التي فرضته ما تزال قائمة، لكن أسباب الانفجار لم تُعالج جذريًا، ما يجعل المرحلة المقبلة مفتوحة على احتمالات متعددة، بين تثبيت معادلة ردع جديدة أو الانزلاق مجددًا إلى جولة حرب مختلفة في نتائجها وشروطها.