تصفّح بدون إعلانات واقرأ المقالات الحصرية
|
Advertisement

لبنان

هدنة معلّقة على حبل النار… استراحة قصيرة قبل جولة أكبر!

جاد الحاج - Jad El Hajj

|
Lebanon 24
19-04-2026 | 04:00
A-
A+
هدنة معلّقة على حبل النار… استراحة قصيرة قبل جولة أكبر!
هدنة معلّقة على حبل النار… استراحة قصيرة قبل جولة أكبر! photos 0
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
A+
A-
في توقيتٍ يبدو فيه المشهد متّجهاً نحو التهدئة، تكشف الوقائع أن ما جرى في لبنان خلال الأيام الأخيرة ليس نهاية اشتباك بقدر ما هو إعادة تموضع داخل مواجهة أوسع، إذ إن وقف إطلاق النار الذي أُعلن بشكل مفاجئ لا يمكن فصله عن مسار إقليمي متسارع تتداخل فيه حسابات واشنطن وطهران في لحظة شديدة الحساسية، حيث تتقدّم المفاوضات من دون أن تبلغ نقطة حسم واضحة، ما يحوّل هذا المسار بحدّ ذاته إلى عامل يكرّس هشاشة المرحلة ويمنع استقرارها، لأن الصراع لم يُحسم بل انتقل إلى مستوى أكثر تعقيداً، تتداخل فيه الأدوات العسكرية مع رهانات سياسية واقتصادية مفتوحة.

في الداخل اللبناني، لا تحتاج هشاشة الهدنة إلى تحليلات بعيدة، بل تظهر مباشرة في السلوك الميداني والتوجيهات الصادرة عن "حزب الله"، إذ إن الدعوة إلى عدم العودة الكاملة إلى القرى الحدودية والإبقاء على حالة الحذر لدى البيئة الحاضنة تعكس تقديراً واضحاً بأن احتمالات التصعيد لا تزال قائمة وأن وقف إطلاق النار لا يوفّر ضمانة حقيقية للأمان، وهو ما يجعل هذا السلوك مرتبطاً بلحظات يتوقّع فيها الجميع عودة النار بسرعة وتحت أي ذريعة.

هذا التقدير يتقاطع مع موقف حاسم أعلنه "حزب الله" يقوم على الرد على أي خرق إسرائيلي للهدنة الحالية، في تحوّل واضح عن تجربة تفاهم وقف إطلاق النار عام 2024، حيث التزم الحزب حينها ضبط النفس لفترة طويلة، فيما خرق العدو الإسرائيلي تلك التفاهمات وضرب بها عرض الحائط عبر الاغتيالات والقصف وفرض وقائع ميدانية جديدة، ما يجعل القراءة داخل "الحزب" مختلفة هذه المرة، إذ لم يعد هناك استعداد للعودة إلى ذلك النموذج، بل إن ما صدر عن قياديين فيه حول أن "الصبر قد نفد" لا يندرج في إطار توصيف إعلامي، بقدر ما يشكّل إعلاناً صريحاً عن تغيير في قواعد الاشتباك، يرفع من احتمالات الانزلاق السريع في حال تكررت الخروقات.

في موازاة ذلك، يبرز عامل آخر يزيد من تعقيد المشهد ويتمثل في الإصرار الإسرائيلي المتكرر على نزع سلاح "حزب الله"، وهو طرح ترى مصادر مطلعة أنه لا يقتصر على بعد أمني، بل يفتح الباب أمام صراع داخلي محتمل، لأن أي محاولة لفرض هذا المسار تعني عملياً دفع البلاد نحو مواجهة داخلية مفتوحة، خصوصاً في ظلّ تقاطع هذه الدعوات مع مواقف خارجية وضغوط سياسية داخلية.
 
في المقابل، يتمسك "حزب الله" بسلاحه بشكل واضح، وقد أعلن ذلك في أكثر من محطة، رغم أنه أبدى في مواقف عدة، وآخرها في خطاب الأمين العام الشيخ نعيم قاسم، استعداداً لفتح باب النقاش مع الدولة حول مقاربة داخلية للملف بما يتيح البحث في صيغة تحمي لبنان من دون الخضوع لإملاءات خارجية. غير أن هذا التمسّك، في ظل تصاعد الدعوات إلى نزع السلاح وتبنّيها من قبل أطراف لبنانية، يضع الملف في موقع بالغ الحساسية، حيث يتحول إلى نقطة تفجير كامنة قد تفتح الباب أمام اشتباك داخلي مباشر يجرّ البلاد إلى مواجهة مفتوحة، تتقاطع فيها الجبهة الداخلية مع الضغط الخارجي وتتجاوز سريعاً الحدود اللبنانية.

ولعلّ العنصر الأكثر خطورة في هذه الهدنة يكمن في هشاشتها، إذ تتضمن بنوداً تمنح إسرائيل هامشاً واسعاً للتحرك تحت عنوان الدفاع عن النفس، ما يتيح لها تنفيذ عمليات تُصنّف من الطرف الآخر كخروقات فيما تدرجها هي ضمن حقها المشروع، وهو ما يخلق بيئة قابلة للاشتعال في أي لحظة لأن تفسير الحدث الميداني يصبح مزدوجاً، وتتحول أي حادثة إلى نقطة احتكاك مرشّحة للتصعيد عبر ردود متبادلة قد تتدحرج سريعاً إلى مواجهة أوسع.

غير أن فهم ما يجري في لبنان لا يكتمل من دون ربطه بالسياق الإقليمي الأوسع، إذ تتعامل إيران مع الساحات المختلفة كوحدة مترابطة، فيما يرتبط قرار التهدئة في لبنان مباشرة بحسابات التفاوض ومسار المواجهة مع الولايات المتحدة، كجزء من إدارة شاملة للصراع تُستخدم فيها كل جبهة وفق توقيتها ووظيفتها. وفي هذا الإطار ينطلق "حزب الله" من قناعة واضحة بأن أي تصعيد كبير سيستدعي تفاعلاً إقليمياً يتجاوز الساحة اللبنانية، وهو ما يعزّز تمسّكه بموقفه ورفضه القبول بشروط تضغط عليه ميدانياً.

هذا الترابط بين الساحات يجعل من الصّعب إعادة إنتاج نموذج الهدن السابقة، لأن البيئة الإقليمية تغيّرت وقواعد الاشتباك لم تعد محكومة بالحدود الجغرافية فقط، بل بتوازنات أوسع تتداخل فيها مصالح دولية كبرى. لذلك يتحوّل أي خرق في الجنوب مباشرة إلى رسالة ضغط متبادلة بين الأطراف، ويضع الجميع أمام احتمالات تصعيد متزامن على أكثر من جبهة.

في المحصّلة، تبدو الهدنة الحالية أشبه باستراحة مشروطة، لا تستند إلى توازن مستقرّ، بل إلى حسابات دقيقة قابلة للاختلال عند أول تغيير في المعطيات. وبين استعداد ميداني متأهب، وضغوط سياسية متصاعدة، وسياق إقليمي متشابك، يبقى الاحتمال الأقرب هو أن هذه التهدئة لن تكون سوى فصل مؤقت في مواجهة لم تصل بعد إلى لحظة الحسم، بل تزداد اقتراباً من جولات أكثر حساسية وتعقيداً.
Advertisement
المصدر: خاص لبنان 24
مواضيع ذات صلة
تابع
Advertisement

أخبارنا عبر بريدك الالكتروني

إشترك

جاد الحاج - Jad El Hajj