دخل وقف إطلاق النار بين
لبنان وإسرائيل حيّز التنفيذ لمدة عشرة أيام، قابلة للتمديد بالتراضي، في لحظة بدت فيها
الجبهة الجنوبية أقرب إلى تجميد مؤقت للنار منها إلى تسوية مكتملة. فالاتفاق الذي رعته
واشنطن لم يُطرح على أنه نهاية الصراع، وإنما كمدخل إلى مفاوضات مباشرة حول الأمن والحدود وترتيبات المرحلة التالية، وهو ما يعني أن الهدنة حملت منذ يومها الأول أكثر من مجرد وقف للعمليات العسكرية.
ومن هذه الزاوية، لا يمكن التعامل مع ما جرى على أنه استراحة مريحة للبنان. فالتفاهم جاء تحت ضغط أميركي واضح، بعد جولة محادثات مباشرة في واشنطن، هي الأولى من نوعها منذ عقود، بين موفدين من لبنان وإسرائيل، فيما كانت الإدارة الأميركية تدفع نحو تبريد الجبهة
اللبنانية خشية أن تُربك مسارًا إقليميًا أوسع. ولذلك، فإن وقف النار لم يكن إجراءً تقنيًا معزولًا، وإنما خطوة فُتحت فوقها فورًا أبواب السياسة والحسابات الثقيلة.
ولم يحتج اليوم الأول من الهدنة إلى وقت طويل حتى يكشف حجم التعقيد الكامن فيها. فإسرائيل لم تنسحب كاملًا من الجنوب، بل أبقت قواتها داخل الأراضي اللبنانية حتى عمق يصل إلى 10 كيلومترات، وفق ما نُشر عن التفاهم، مع احتفاظها بحق "الدفاع عن النفس". وفي المقابل، حذّر "
حزب الله" من أن يتحول التفاهم إلى غطاء لحرية الحركة
الإسرائيلية داخل لبنان، فيما سعى الرئيس جوزيف عون إلى رفع السقف اللبناني بالدعوة إلى الانتقال من هدنة مؤقتة إلى اتفاقات دائمة من دون التنازل عن الأرض.
الهدنة التي دفعت إليها واشنطن
أول ما يلفت في هذه الهدنة أنها وُلدت في واشنطن بقدر ما وُلدت على الأرض. فالولايات المتحدة لم تتحرك فقط لإسكات الجبهة، بل لتثبيت مسار تفاوضي تمسك هي بخيوطه. وهذا يفسر لماذا رافق إعلان التهدئة حديث مباشر عن "ظروف مؤاتية لسلام دائم" وعن مفاوضات على الحدود والسيادة والترتيبات الأمنية، أي أن الإدارة الأميركية أرادت منذ البداية أن تجعل من وقف النار بداية مرحلة، لا نهاية جولة فحسب.
لكن هذه الرعاية الأميركية لا تعني أن لبنان دخل التفاوض من موقع مريح. فالمحادثات التي سبقت الهدنة كشفت تعارضًا واضحًا في الأولويات، إذ إنّ لبنان كان يريد وقف الدماء وفتح الطريق أمام التهدئة وعودة
النازحين، بينما دخلت
إسرائيل وهي ترفع مطلب نزع سلاح حزب الله وتتعامل مع الحرب باعتبارها فرصة لإعادة صياغة قواعد اللعبة في الجنوب. وبين هذين السقفين، بدا الدور الأميركي أقرب إلى إدارة تفاوض يجري على وقع اختلال في التوازن، أكثر منه إلى رعاية تسوية متكافئة.
وهنا تكمن حساسية اللحظة اللبنانية. فبيروت احتاجت إلى وقف النار لأسباب تتصل بالاستنزاف المباشر، خصوصًا مع تفاقم كلفة الحرب، سواء المباشرة، أو حتى غير مباشرة، مع أعباء النزوح الذي كاد يفوق القدرات، فيما قدّرت الحكومة اللبنانية الأضرار بنحو 7 مليارات دولار. لذلك، فإن لبنان يتقدم في هذا المسار وهو يحاول أولًا وقف النزيف، قبل أن يمتلك رفاهية التفاوض من موقع الندية الكاملة.
السقف
الإسرائيلي وامتحان السيادة والسلاح
في الجهة المقابلة، لا تتعامل إسرائيل مع الهدنة كعودة بسيطة إلى ما قبل الحرب. فالإبقاء على القوات داخل الجنوب، واعتبار المنطقة التي دخلتها بمثابة منطقة أمنية، مع الاحتفاظ بحق "الدفاع عن النفس"، كلها مؤشرات إلى أن
تل أبيب تريد تهدئة تحافظ فيها على مكاسب ميدانية وأمنية، وتحوّلها لاحقًا إلى أوراق تفاوضية. وهذا يرفع السقف الإسرائيلي إلى مستوى يتجاوز مجرد وقف النار، لأن المسألة تصبح متصلة بشكل اليوم التالي، لا بوقف القصف فقط.
هذا الواقع يضع الدولة اللبنانية أمام امتحان سيادي مبكر. فالرئيس جوزاف عون حاول منذ الساعات الأولى أن يقدّم التفاوض باعتباره خيارًا لحماية سيادة لبنان ووحدته ودفاعه، لا علامة ضعف أو تنازل. غير أن هذا الخطاب يصطدم سريعًا بحقيقة أن أي حديث عن مرحلة جديدة يبقى ناقصًا ما دامت إسرائيل موجودة داخل أراضٍ لبنانية، وما دام الاتفاق نفسه لا يمنح
بيروت حقًا مماثلًا في "الدفاع عن النفس" بالصيغة نفسها. هنا تحديدًا يبدأ التوتر بين الحاجة إلى تثبيت الهدنة، والحاجة إلى منعها من التحول إلى منصة ضغط مفتوح على السيادة اللبنانية.
ومن هذا الباب يدخل ملف "حصرية السلاح" بوصفه أول امتحان داخلي فعلي للهدنة. فالاتفاق ينص على اعتبار القوى الرسمية اللبنانية الجهة الوحيدة المخوّلة الدفاع عن سيادة البلاد، لكنه لا يتضمن نزعًا مباشرًا لسلاح حزب الله، فيما يرفض الحزب أي صيغة تمنح إسرائيل حرية العمل العسكري داخل لبنان. عمليًا، هذا يعني أن الهدنة خففت صوت النار، لكنها دفعت سريعًا إلى الواجهة سؤالًا أكثر حساسية: هل يتحول عنوان الدولة إلى مسار تدريجي لإعادة ضبط القرار الأمني، أم يصبح مادة اشتباك سياسي جديد داخل لبنان؟
في الخلاصة، لا يبدو أن لبنان دخل مرحلة ما بعد الحرب بقدر ما دخل امتحان ما بعد الهدنة. الضغط الأميركي فتح الباب، والسقف الإسرائيلي بقي مرتفعًا، والداخل اللبناني وجد نفسه سريعًا أمام أسئلة السيادة والسلاح وشكل المرحلة التالية. لذلك، فإن الاختبار الحقيقي لم يعد فقط في قدرة الأيام العشرة على الصمود، وإنما في قدرة لبنان على منع التهدئة من أن تتحول إلى مسار إملاءات، وعلى تحويلها أيضًا إلى فرصة لاستعادة زمام القرار من دون أن ينزلق الداخل إلى اشتباك سياسي مفتوح على كل الاحتمالات.