تصفّح بدون إعلانات واقرأ المقالات الحصرية
|
Advertisement

لبنان

اغتيال آمال خليل.. هل دخل الصحافيون في جنوب لبنان "بنك الأهداف" مجددًا؟

حسين خليفة - Houssein Khalifa

|
Lebanon 24
23-04-2026 | 06:00
A-
A+
اغتيال آمال خليل.. هل دخل الصحافيون في جنوب لبنان بنك الأهداف مجددًا؟
اغتيال آمال خليل.. هل دخل الصحافيون في جنوب لبنان بنك الأهداف مجددًا؟ photos 0
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
A+
A-
لم يعد استهداف الصحافيين في جنوب لبنان يُقرأ بوصفه حادثةً معزولةً يمكن إدراجها في خانة "أخطاء الحرب" أو "الضرر الجانبي". فاغتيال الصحفيّة في "الاخبار" آمال خليل أثناء عملها الميداني في بلدة الطيري، وإصابة زميلتها زينب فرج، جاءا في سياق يوحي بأن ما يتعرض له الإعلاميون في الجنوب يأخذ طابعًا متكررًا ومقلقًا. وتكتسب هذه الحادثة خطورةً مضاعفةً لوقوعها خلال هدنة يفترض أنها خففت منسوب النار وفتحت نافذةً للمفاوضات السياسية.
 
ولغلّ فداحة الجريمة كافية للتعبير عن النوايا الإسرائيلية، فالصحافية الزميلة لم تستشهد لصدفة وجودها في مكان تمّ استهدافه، كما أوحت بعض المتابعات الإعلامية في البدء، بل في استهدف متعمد مباشر وغير مفهوم، فبعد ضربة أولى وقعت قرب مركبتها، احتمت خليل بأحد المنازل، لتلاحقها الغارات، من دون أيّ مراعاة لعملها، وهو ما يعزّز، بل يؤكد، فضية التعقب المباشر، بمعزل عن المزاعم الإسرائيلية التي لم يعد لها أيّ قيمة.
 
غير أنّ أخطر ما في الجريمة وتبعاتها لا يكمن فقط في استشهاد الزميلة خليل، وهي المعروفة في الأوساط الإعلامية بنشاطها ومهنيتها، ولكن في الملابسات اللتي أحاطت بها، إذ تأخرت عمليات الإنقاذ ساعاتٍ طويلةً نتيجة التضييق الإسرائيلي حتى على سيارات الإسعاف. وقد تحدثت لجنة حماية الصحافيين عن مؤشرات مقلقة تستدعي تحقيقًا دوليًا عاجلاً، مشيرةً إلى أن عرقلة الإسعاف قد ترقى إلى جريمة حرب.
 
من الشاهد إلى الهدف
 
في الحروب، لا ينزعج الطرف المهاجم من الصور واللقطات فحسب، وإنما من "الرواية" التي تنتجها هذه الصور وتفضح زيف الادعاءات الميدانية. فالصحافي في الجنوب اللبناني لا ينقل مشهدًا عابرًا، بل يوثق أثر القصف، ويكشف هوية الضحايا، ويراقب مدى الالتزام بالهدنة من عدمه. من هذه الزاوية، يصبح استهداف الصحافيين وسيلةً لضرب الشهود على الحرب، وضمان بقاء الرواية الأحادية هي السائدة في غياب التغطية المستقلة.
 
وإذا كانت إسرائيل تصر على نفي التعمد، فإن لغة الأرقام تجعل هذا النفي محل مساءلةً جدية؛ فقد رفع اغتيال آمال خليل عدد الصحافيين الذين استشهدوا في هذا النزاع إلى مستويات غير مسبوقة. وتوثيق المنظمات الدولية لمقتل عددٍ كبيرٍ من الإعلاميين منذ بداية المواجهات يعكس نمطًا لا يمكن وصفه بالصدفة. هو مسار يسعى لفرض "تعتيم ميداني" عبر جعل كلفة التغطية هي الحياة نفسها، ووصم الصحافيين بصفات قتالية لإسقاط الحماية عنهم.
هذا الاستهداف المتجدد يخلق نتيجةً تتجاوز القتل المادي إلى القتل المعنوي لحق المعرفة؛ فهو يدفع المؤسسات الإعلامية للعمل تحت تهديد دائم، ويحول كل تغطية ميدانية إلى اختبار للبقاء. وعندما يحدث هذا في منطقة مفتوحة على مفاوضات مضطربة، فإن استهداف الصحافي يضرب حق الناس في معرفة ما يجري فعليًا على الأرض. وهذا هو المعنى الأخطر لأي حرب على الشهود: تحويل الحقيقة إلى ضحية إضافية في ثلاجة الموتى.
 
الصحافيون ليسوا طرفًا
 
من الناحية القانونية، تبدو المسألة محسومة بلا مواربة؛ إذ يعتبر البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف الصحافيين أشخاصًا مدنيين يتمتعون بالحماية الكاملة. وتظلّ هذه الحماية قائمة ما دام الصحافي لا يشارك مباشرةً في الأعمال العدائية. وهو ما ينطبق على حالة آمال خليل التي كانت تمارس عملها المهني بوضوح، مرتديةً شاراتها التعريفية التي يفترض أنها تحميها من غدر الصواريخ.
 
لذا، فإن النقاش لا ينبغي أن يدور حول "أحقية" حماية الصحافيين، لأن هذه الحماية ليست تفضلاً أخلاقيًا، بل هي قاعدةً قانونية ملزمة للدول والجيوش. فالصحافي لا يفقد صفته المدنية لأن روايته تزعج آلة دعائية أو عسكرية، وأي محاولة لتسييل الاتهامات العامة أو الإيحاء بأن وجوده قرب الحدث يسقط عنه الحصانة هي محاولة خطرة لتشريع القتل، ونقل الحرب من استهداف المقاتل إلى استهداف الرواية والناقل.
 
إن السكوت عن هذا النهج يفتح الباب أمام شرعنة "استباحة الشاهد"، ويجعل من الكاميرا هدفًا مشروعًا مثلها مثل المدفع. إن القواعد الدولية وجدت لتوضع حواجز أمام التوحش العسكري، وغياب المحاسبة في قضايا استهداف الإعلاميين في لبنان يعطي ضوءًا أخضر لمزيد من الجرائم. مما يفرض على النقابات الدولية والمنظمات الأممية الخروج من مربع الإدانة اللفظية إلى مربع الضغط القانوني الفعلي لحماية ما تبقى من حرية العمل الإعلامي.

في المحصلة، لا ينبغي النظر إلى اغتيال آمال خليل على أنه مجرد خبر حزين في يوم جنوبي ثقيل، بل هو سؤال مصيري حول مستقبل العمل الصحافي في الميدان. لقد بات مطلوبًا من الدولة اللبنانية والمنظمات الدولية التحرك لمنع تحويل المراسلين إلى أهداف مفتوحة في بنك أهداف لا يشبع. تحييد الصحافيين ليس شعارًا مهنيًا فحسب، بل هو الحد الأدنى الذي يبقي للحرب حدودًا، وللحقيقة فرصةً في أن تُرى وتُروى رغم دخان القذائف.
Advertisement
مواضيع ذات صلة
تابع
Advertisement

أخبارنا عبر بريدك الالكتروني

إشترك

حسين خليفة - Houssein Khalifa