كتب داوود رمال في" نداء الوطن": يتعامل
لبنان مع مسار التفاوض المباشر المرتقب مع
إسرائيل بوصفه واحدًا من أكثر الاستحقاقات السياسية أهمية وخطورة منذ اتفاق ترسيم الحدود البحرية، ليس فقط بسبب طبيعة الملفات المطروحة، بل لأن شكل التفاوض ومكانه ورعايته السياسية كلها عوامل ستحدد إلى حد كبير نتائجه وحدود المناورة فيه. ومن هنا، كان خيار العاصمة التي ستستضيف هذه المفاوضات قرارًا سياديًا وسياسيًا محسوبًا بدقة، دفع
بيروت إلى حسم موقفها بطلب واضح يقضي بأن تكون المفاوضات في
واشنطن حصرًا، بعيدًا من أي عاصمة أخرى، رغم التقدير اللبناني الكامل للدول الشقيقة والصديقة التي أبدت استعدادها للإاستضافة، ولا سيما
فرنسا وقبرص ومصر.
هذا التوجه اللبناني ينطلق من قراءة واقعية لطبيعة المرحلة المقبلة، حيث ترى الدولة
اللبنانية أن أي تفاوض مباشر مع إسرائيل، سواء تعلق بترتيبات أمنية أو سياسية أو بملفات ترتبط بتثبيت الاستقرار جنوبًا وتطبيق القرارات الدولية، يحتاج إلى راعٍ قادر فعليًا على التأثير في القرار
الإسرائيلي، لا مجرد وسيط ناقل للمواقف. وفي هذا السياق، تعتبر بيروت أن
وزارة الخارجية الأميركية، بما تملكه واشنطن من نفوذ مباشر على تل أبيب، تبقى الجهة الأكثر قدرة على الضغط، وعلى ضمان تنفيذ ما يمكن التوصل إليه، وعلى تحويل التفاهمات من مجرد نصوص سياسية إلى التزامات قابلة للتطبيق.
والمبدأ اللبناني يقوم على أن الرعاية الأميركية يجب ألا تكون سياسية فقط، بل تنفيذية أيضًا، لأن المرحلة المقبلة لا تحتمل تجارب تفاوض مفتوحة على المماطلة
الإسرائيلية أو على استنزاف الوقت، خصوصًا في ظل الوضع الأمني الخطير في الجنوب، وحجم الضغوط الاقتصادية والسياسية التي يعيشها لبنان داخليًا. لذلك فإن إبقاء المفاوضات في واشنطن يعني عمليًا إبقاء الملف داخل غرفة القرار الأميركي نفسه، بما يسمح بتدخل مباشر وسريع عند كل عقدة أو محاولة تعطيل.
وحتى الآن، هناك تجاوب أميركي مبدئي مع هذا الطلب اللبناني، والتحضيرات الجارية داخل المؤسسات الرسمية اللبنانية تُبنى على أساس أن المفاوضات ستُعقد في واشنطن، لا في أي مكان آخر، ما يعني أن مرحلة الانتقال من الاتصالات التمهيدية إلى وضع الهيكل التنفيذي للمفاوضات بدأت فعليًا، ولو بعيدًا من الأضواء. والجانب الأميركي يتفهم المنطق اللبناني، لا سيما أن نجاح هذا المسار يحتاج إلى مظلة سياسية قوية تمنع انهياره عند أول اختبار ميداني أو سياسي.
أما على مستوى التمثيل اللبناني، فقد حُسم مبدئيًا أن يرأس الوفد السفير سيمون كرم، في إشارة واضحة إلى أن لبنان يتعامل مع هذا المسار بوصفه تفاوضًا سياسيًا من الدرجة الأولى، وليس نقاشًا تقنيًا أو أمنيًا محدودًا، ويحمل اختيار كرم دلالات متعددة، أبرزها أن الدولة تريد شخصية دبلوماسية ذات خبرة سياسية وقانونية وقدرة على إدارة مفاوضات معقدة تتجاوز الإطار العسكري التقليدي، خصوصًا أن الملفات المطروحة لن تقتصر على ترتيبات ميدانية، بل ستلامس ملفات سيادية وحساسة ذات أبعاد إقليمية ودولية.
إلا أن تركيبة الوفد لم تُحسم بالكامل بعد، لأن الأمر مرتبط أيضًا بطبيعة الوفدين الإسرائيلي والأميركي، بحيث يسعى لبنان إلى اعتماد مبدأ التوازي في التمثيل، أي أن تركيبة الوفد اللبناني ستُبنى على قاعدة موازية للتركيبة المقابلة، بما يحفظ التوازن السياسي والتفاوضي ويمنع أي اختلال في مستوى التمثيل أو الاختصاص. وعلى هذا الأساس، قد يتم ضم أعضاء إضافيين إلى جانب السفير كرم وفقًا لما ستفرضه طبيعة الملفات وهوية المشاركين من الطرفين الأميركي والإسرائيلي.
لا يبدو لبنان متجهًا إلى مفاوضات تقنية محدودة، بل إلى مسار سياسي بالغ التعقيد يعيد رسم جزء من قواعد العلاقة غير المباشرة مع إسرائيل تحت المظلة الأميركية. ولهذا السبب، كان الإصرار على واشنطن لا
باريس ولا نيقوسيا ولا القاهرة، لأن بيروت تدرك أن المكان هنا جزء من ميزان القوة نفسه. وفي مفاوضات من هذا النوع، لا تُقاس النتائج بما يُقال على الطاولة فقط، بل بمن يملك القدرة على فرض تنفيذ ما يُقال بعدها.