تعكس التطورات الأخيرة في الجنوب تحوّلًا مهمًا، حيث تتقدّم أدوات منخفضة الكلفة وعالية المرونة لتفرض نفسها داخل معادلة عسكرية طالما استندت إلى التفوق الجوي والتكنولوجي كعنصر حاسم.
في هذا السياق، تبرز المحلّقات الانقضاضية كعنصر يثير اهتمامًا متزايدًا في الخطاب
الإسرائيلي، ليس بوصفها إضافة هامشية إلى ترسانة الخصم، بل باعتبارها ظاهرة عملياتية تُربك أنماط المواجهة القائمة. فالتقنيات التي تتجاوز فعالية أنظمة التشويش التقليدية، وتعمل خارج نطاق الرصد المعتاد، تضع المنظومات الدفاعية أمام تحدٍّ من نوع مختلف. وبينما تتداخل الجبهات وتُعاد صياغة الأولويات العسكرية، تنتقل النقاشات داخل
إسرائيل من مستوى الردع العام إلى مستوى القدرة على التكيّف مع تهديدات غير نمطية، في ظل إعادة توزيع للموارد العسكرية وتحريك للألوية أو نقلها من
لبنان إلى غزة، ما يعكس بدوره حالة استنفار مستمرة.
ويقول الخبير الاستراتيجي بهاء حلال إن قراءة نقل الألوية
الإسرائيلية من
الجبهة اللبنانية إلى غزة، في ظل ضغط الخسائر الناتجة عن المسيّرات الهجومية، تتطلب التمييز بين الأولوية العملياتية الآنية والأولوية الاستراتيجية بعيدة المدى. فعلى المستوى العملياتي، قد يعكس هذا النقل حاجة ملحّة لإعادة تدعيم جبهة غزة إذا كانت هناك معارك برية كثيفة أو أهداف لم تُحسم بعد. فالقتال الحضري في غزة يفرض استهلاكًا عاليًا للقوات، ويحتاج إلى وحدات مناورة جاهزة، ما يدفع إلى سحب بعض الألوية من
الشمال إذا اعتُبر أن مستوى التهديد هناك يمكن احتواؤه مؤقتًا بوسائل أخرى مثل سلاح الجو والاستخبارات وأنظمة الدفاع الجوي. بهذا المعنى، يمكن القول إن هناك تقديمًا مؤقتًا لغزة كأولوية قتال نشطة.
لكن استراتيجيًا، تظل الجبهة اللبنانية التهديد الأخطر نظرًا لقدراتها الصاروخية والنوعية واتساع مسرح العمليات. لذلك، من غير المرجّح، بحسب العميد حلال، أن يكون النقل تعبيرًا عن تراجع حقيقي في أهميتها. فما يحدث أقرب إلى إعادة توزيع للقوة وفق مبدأ “الاقتصاد في القوات”، أي الإبقاء على حدٍّ أدنى رادع في الشمال مقابل تركيز القوة في الجبهة الأكثر اشتعالًا في اللحظة.
أما تأثير المسيّرات الهجومية، فهو عامل مهم. وإذا كانت هذه الوسائط تفرض خسائر ملموسة، فقد تدفع، كما يقول حلال، إلى تعديل الانتشار، وتقليل التمركز المكشوف، أو سحب وحدات لإعادة تنظيمها وتكييف تكتيكاتها الدفاعية. وهذا لا يعني انسحابًا تحت الضغط بقدر ما هو تكيّف تكتيكي مع تهديد متغيّر.
أمام ذلك، إلى أي مدى يمكن اعتبار غزة مخرجًا لإسرائيل من مأزقها في
جنوب لبنان؟
بحسب العميد حلال، إذا كان المقصود أن غزة تشكّل “مخرجًا” لإسرائيل عبر نقل الألوية من جنوب لبنان، فالأدق عسكريًا أنها مخرج تكتيكي مؤقت لإدارة الضغط، وليس حلًا استراتيجيًا للمأزق في الشمال. فسحبها يمكن فهمه ضمن منطق إعادة التموضع، لجهة تقليل الاحتكاك المباشر في جبهة عالية الكلفة (جنوب لبنان)، حيث تتعرض القوات لضغط مستمر، بما في ذلك تهديدات المسيّرات والنيران الدقيقة، ونقل جزء من هذه القوات إلى ساحة تُعدّ أكثر قابلية للضبط النسبي من حيث الإيقاع العملياتي (غزة). بهذا المعنى، توفّر غزة “صمام تنفيس” يسمح بتخفيف الخسائر المباشرة وإعادة تنظيم الوحدات، وربما تدويرها بعد إنهاكها. لكن هذا لا يرقى إلى كونه مخرجًا بالمعنى الحاسم.
أولًا، التهديد في الشمال لا يختفي مع سحب الألوية، بل يبقى قائمًا، وقد يُفسَّر أي خفض للحشد كنافذة فرصة لدى الخصم. لذلك تحرص إسرائيل عادة على إبقاء حدٍّ أدنى رادع: قدرات جوية، استخبارات، دفاعات، وقوات احتياط قابلة للحشد السريع.
ثانيًا، نقل العبء إلى غزة يعني تحويل شكل الاستنزاف لا إنهاءه؛ فالقتال الحضري يستهلك الموارد البشرية واللوجستية ويقيّد حرية المناورة، ما قد ينعكس على الجاهزية لأي تصعيد واسع في الشمال.
ثالثًا، هناك بُعد رسائلي، إذ قد يهدف تركيز العمليات في غزة إلى تحقيق إنجاز عملياتي (رمزي) يعزّز الردع ويعيد زمام المبادرة، في وقت يتم فيه ضبط الجبهة الشمالية لتفادي حرب متعددة الجبهات.
وبينما يتحدث البعض عن أن إسرائيل وقعت في “فخ استراتيجي” في لبنان، يرى العميد حلال أن هذا التوصيف مبالغ فيه جزئيًا، فما تواجهه إسرائيل أقرب إلى مأزق عملياتي مكلف لا “فخ” مغلق. فنجاح المسيّرات الهجومية في إيقاع خسائر يرفع كلفة البقاء ويقيّد حرية الحركة، لكنه لا يلغي التفوق الإسرائيلي في مجالات أخرى مثل الاستخبارات والقوة الجوية والاحتياط. فالمسيّرات عدّلت القواعد أكثر مما أحدثت “ثورة كاملة”، إذ رفعت حساسية الانتشار الثابت، وخفّضت عتبة إيقاع خسائر نوعية بكلفة منخفضة، ودَفعت إلى مرونة وانتشار لامركزي، وهو تحول مهم في سلوك القتال.
وفي هذا السياق، تحدث رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو عن مشروع مواجهة المسيّرات المتمثل بنظام دفاع جديد، وبحسب قراءة العميد حلال العسكرية، فإن المشروع جديته عالية لأن التهديد فعّال ومتصاعد. لكن الحل ليس منظومة واحدة، بل طبقات: إنذار مبكر، حرب إلكترونية، دفاع نقطي قصير المدى، وتكتيكات انتشار جديدة. فالزمن عامل حاسم؛ فالتحسينات التدريجية ممكنة سريعًا، أما تحييد واسع للتهديد فيحتاج إلى وقت أطول وتكيّف مستمر.
وعليه، فإن الأهداف الواقعية جنوب الليطاني بالنسبة لإسرائيل، بحسب العميد حلال، تكمن في إبعاد التهديد المباشر عن الحدود (تقليص الوجود المسلح والقواعد النارية القريبة)، وخفض كثافة النيران قصيرة ومتوسطة المدى، وفرض معادلة ردع جديدة تُعيد حرية العمل على الحدود، وأحيانًا ترتبط بهدف سياسي-أمني مكمّل يتمثل بتهيئة ظروف عودة السكان إلى البلدات الحدودية.
لكن هل يمكن أن تنسحب إسرائيل من دون أن تحقق هذه الأهداف؟ يجيب العميد حلال: نعم، لكن بثمن يتمثل في تآكل الردع وصورة إنجاز محدودة، حيث قد تلجأ إلى خروج مرحلي مشروط (ترتيبات، رقابة، تفاهمات غير مباشرة) إذا ارتفعت الكلفة، مع التعويض عبر ضربات عن بعد للحفاظ على الردع.