رسمت القمة الأميركية - الصينية في بكين ملامح جديدة للمشهد الإقليمي المرتبط بالحرب مع إيران، إذ أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب عقب محادثاته مع نظيره الصيني شي جينبينغ، عن تعهد الأخير بعدم إرسال معدات عسكرية إلى طهران، وعرضه المساعدة في إعادة فتح مضيق هرمز لضمان التدفق الحر لإمدادات الطاقة العالمية. Advertisement وفي المقابل، خيمت أصداء الحرب على اجتماع وزراء خارجية مجموعة «بريكس» في نيودلهي، في وقت أكدت فيه القيادة المركزية الأميركية «سنتكوم» تراجع القدرات العسكرية الإيرانية وتهديداتها لجيرانها بشكل كبير في كل المجالات. لبنانيا، انعقدت الدورة الأولى من الجولة الثالثة من المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية المباشرة والماراتونية برعاية الحكم الأميركي لأكثر من ثماني ساعات أمس وتستمر اليوم أيضاً، وسط ظروف بالغة التعقيدات من كل النواحي الميدانية العسكرية والديبلوماسية التي من شأنها التقليل من التقديرات والرهانات الإيجابية المعلّقة على نتائج هذه الجولة. وإذ شكّل غياب وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو الموجود مع الرئيس الأميركي في زيارة الصين، عن الجولة التفاوضية عاملاً مخفّفاً من الثقل الأميركي المأمول لبلورة رؤية أميركية من شأنها فرض مناخ ضاغط لإحداث ثغرة في جدار التناقضات الضخمة القائمة بين وفدي لبنان وإسرائيل، تضافرت عوامل عدة من واشنطن كما من بيروت حيال استبعاد أي اختراق جوهري في هذه الجولة، الأمر الذي لم يكن بعيداً عن أجواء الاجتماع بين رئيس الجمهورية جوزف عون ورئيس الحكومة نواف سلام بعد ظهر أمس في بعبدا، حيث أفيد أنه تم التطرّق إلى بدء المفاوضات في وزارة الخارجية الأميركية بين الوفود اللبنانية والأميركية والإسرائيلية، في ضوء التوجيهات التي أعطيت للوفد اللبناني خلال التحضيرات لبدء المفاوضات التي توافق الرئيسان على مواكبتها من خلال التواصل الدائم.
وكتبت" النهار": بعيداً من الاعلام، بدأت الجولة الثالثة التي ترأّس فيها الجانب اللبناني السفير السابق سيمون كرم، بمشاركة السفيرة في واشنطن ندى حماده معوض والقائم بالأعمال وسام بطرس والملحق العسكري العميد أوليفر حاكمة، بعد جولتين سابقتين عُقدتا على مستوى سفيري لبنان وإسرائيل في واشنطن. أمّا من الجانب الإسرائيلي، فترأّس الوفد سفير إسرائيل لدى الولايات المتحدة يحيئيل ليتر إلى جانب رئيس اللواء الاستراتيجي في الجيش الإسرائيلي عميحاي ليفين.
وحضر الجلسة عن الجانب الاميركي مستشار وزير الخارجية مايك نيدهام، والسفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى، والسفير الأميركي في إسرائيل مايك هاكابي.
وبحسب ما كان مقرّراً، فإن لبنان طرح ثلاثة مطالب رئيسية، هي: تثبيت وقف إطلاق النار، وقف الاعتداءات الإسرائيلية، وانسحاب إسرائيل من المناطق التي تحتلّها في جنوب لبنان. في المقابل، ربطت إسرائيل أيّ مسار سياسي مع لبنان بملفّ نزع سلاح "حزب الله" وتأمين حدودها الشمالية، ورفضت مناقشة وقف النار كأولوية مستقلّة من دون معالجة مسألة السلاح.
كما أفيد أن إسرائيل لن تلتزم بوقف شامل لإطلاق النار، وستبلّغ الوفد اللبناني أن حكومتها تلتزم باستراتيجية واضحة وهي استراتيجية القضاء على الخطر ومنع أي تهديد لأمنها أو أمن سكان الشمال. وأما الولايات المتحدة، وعلى رغم مطالب الرئيس الأميركي السابقة بوقف النار، فتوافق على الموقف الإسرائيلي، ولن تطلب حكومة ترامب من الوفد الإسرائيلي أو الحكومة الإسرائيلية وقفاً شاملاً لإطلاق النار. وبعد ساعات من انعقاد الجلسة الأولى المغلقة وسط تكتم شديد عن مجرياتها، أفادت التقارير عن أجواء لا تدعو إلى التفاؤل. وذُكر أن إسرائيل تتشدّد أكثر فأكثر بنزع سلاح "حزب الله" بخطوات عملية وليس تعهّدات كلامية، فيما كان الوفد اللبناني على تواصل مع مجموعة عمل متابعة في قصر بعبدا. وأفادت مراسلة "النهار" في واشنطن رانيا أبو حسن أنه رغم انطلاق المفاوضات إلا أن الطريق لا يزال طويلاً قبل الوصول إلى ما تريده الولايات المتحدة منها، أي اتفاق سلام. ومن المتوقع بعد الجولة الثالثة إصدار بيان نيّات ووضع بداية إطار لاتفاق سياسي شامل. ومن الملفات التي يُتوقع أن تكون بحثت أمس في إطار الشق السياسي، التمديد لوقف النار وهو ما يدفع لبنان في اتجاهه، ترسيم الحدود، عودة النازحين، تعليق قانون مناهضة التطبيع. ووصفت هذه العناوين بأنها إجراءات لبناء الثقة. وذكرت «الأخبار» أن الولايات المتحدة ناقشت مع حكومة العدو ما يمكن اعتباره «العناوين المفترضة لخطة واقعية» يُراد العمل بها مع لبنان. ونقلت مصادر في العاصمة الأميركية أن ملف لبنان طُرح خلال اجتماع عقده الرئيس دونالد ترامب مع فريقه للأمن القومي قبل سفره إلى الصين، وأن واشنطن تريد فصل المسار اللبناني عن ملف إيران، رغم إدراكها إصرار طهران على إدراج لبنان ضمن أي اتفاق نهائي يتعلق بإنهاء الحرب. وبحسب المصادر، فإن التعليمات التي أُعطيت للفريق الأميركي المكلّف إدارة الاجتماعات، شددت على التمسك بدعم «حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها تجاه أي تهديد». وأضافت أن واشنطن «لا تتوقع توقف إسرائيل عن استهداف عناصر حزب الله أينما وُجدوا»، معتبرة أن ذلك «يمكن أن يحصل من دون استهداف المدنيين ومن دون انهيار وقف إطلاق النار». وكشفت المصادر أن الولايات المتحدة وإسرائيل «اتفقتا على إعداد برنامج انسحاب تدريجي من لبنان يمتد لمدة قد تصل إلى عامين، على أن يترافق ذلك مع شروع الجيش اللبناني في تنفيذ خطة لنزع سلاح حزب الله على كامل الأراضي اللبنانية». وأضافت: «نظرياً، تتصرّف الولايات المتحدة على أساس أنه لا يمكن للبنان وضع أي شروط في هذه المفاوضات، وأن الوقف التام لإطلاق النار ليس ممكناً قبل إزالة خطر حزب الله». وكان السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى قد نقل هذه الأجواء إلى عون، مؤكداً له أكثر من مرة أن واشنطن لا تضمن وقفاً كاملاً للعمليات العسكرية الإسرائيلية قبل نزع السلاح. وأضافت المصادر أن عون ورئيس الحكومة نواف سلام «يعرفان أنهما ليسا في موقع يسمح بفرض وقف شامل لإطلاق النار الآن، ولذلك وافقا على الدخول فوراً في المفاوضات من دون شروط مسبقة». وبحسب المصادر نفسها، «تخشى واشنطن أن يحافظ حزب الله على وتيرة عملياته العسكرية في الجنوب، بما يعرقل أي محاولة للوصول إلى اتفاق شامل مع لبنان». وتشير الاتصالات التي سبقت جلسة الأمس إلى أن لبنان لن يعارض المقترح الأميركي المتعلق بـ«إعلان نوايا» ينص على تفاهم الجانبين حول ترتيبات أمنية تلتزم خلالها إسرائيل بالانسحاب من لبنان ضمن مهلة زمنية محددة، مقابل احتفاظها بـ«حق» استهداف أي «تهديد وشيك» أو أي عناصر من حزب الله، مع إعادة تفعيل لجنة «الميكانيزم» لمتابعة ملف نزع السلاح في الجنوب بصورة أكثر تفصيلاً، وفق آلية تسمح بالتحقق من الطلبات التي تقدمها إسرائيل، وبما يتيح للجيش اللبناني حرية الدخول إلى أي منشأة عامة أو خاصة، لضمان نزع السلاح. وقالت المصادر إن إدارة الاستخبارات المركزية الأميركية (CIA) أعدّت تصوّراً خاصاً بعملية نزع السلاح، يتضمن في أحد جوانبه آلية لإعلان الجيش اللبناني سيطرته على جميع المنشآت التابعة لحزب الله في مختلف المناطق اللبنانية، على أن تُوضع هذه المنشآت تحت رقابة لجنة «الميكانيزم»، والاستعانة بالأقمار الاصطناعية لضمان عدم عودة الحزب إلى استخدام هذه المواقع، بانتظار التوصل إلى آلية خاصة للتعامل مع الأسلحة الثقيلة. وأضافت المصادر أن الاستخبارات الأميركية تمتلك معلومات كافية حول المنشآت الكبرى التابعة للحزب، ولا سيما تلك الموجودة داخل المناطق الجبلية. وأوضحت أن الجانب الأميركي يدرك أن تنفيذ لبنان هذه المهمة يحتاج إلى وقت، وأن واشنطن مستعدة لتزويد الجيش اللبناني بكل ما يحتاجه لإنجازها، بما في ذلك دعم إنشاء قوة خاصة في الجيش اللبناني تكون مهمتها منع حزب الله من إعادة التسلّح، وهو ما سبق أن أشار اليه وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في مقابلة قبل عشرة أيام. وكرر الرئيس نبيه بري لـ«الأخبار» أن «موقفنا هو مع التفاوض غير المباشر للتوصل أولاً إلى اتفاق حقيقي لوقف إطلاق النار، متسائلاً: «هل هناك وقف لإطلاق النار حالياً؟»، لافتاً إلى عدم التزام العدو بأي اتفاق منذ تشرين الأول 2024». وفي إشارة إلى عدم توقعه الكثير من جولة التفاوض الحالية في واشنطن، قال بري: «أنا متشائل... لست مع التفاوض المباشر، لكنني لن أتكلم حالياً، وعندما ننتهي سيكون لي كلام». وشدّد على أن أي اتفاق يجب أن يحظى بـ«مظلة ضمانات سعودية - إيرانية - أميركية». إلى ذلك، علم أن رئيس الجمهورية جوزيف عون، تواصل صباح أمس مع رئيس مجلس النواب. وبحسب المعطيات، فقد أكّد بري لعون أنه لا يمكن القبول بوقف لإطلاق النار من جانب واحد، والعودة إلى ما كان عليه الوضع قبل الثاني من آذار الماضي. وأضاف أن المطلوب وقف حقيقي لإطلاق النار وتوقف العدو عن سياسة الاغتيالات وتجريف القرى الجنوبية وتدميرها، مع جدولة انسحاب إسرائيلي عاجل وانتشار الجيش اللبناني وعودة الأهالي إلى قراهم.