تصفّح بدون إعلانات واقرأ المقالات الحصرية
|
Advertisement

لبنان

حربان متوازيتان... الميدان والعقول

رانيا عبيد - Rania Obeid

|
Lebanon 24
18-05-2026 | 05:30
A-
A+
حربان متوازيتان... الميدان والعقول
حربان متوازيتان... الميدان والعقول photos 0
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
A+
A-
منذ اندلاع الحرب في ٢ آذار، لم تقتصر المواجهة بين إسرائيل وحزب الله على الميدان العسكري، بل امتدت إلى معركة على الوعي والسرديات. وفيما بلغت الحصيلة الإنسانية في لبنان حتى يوم امس الاحد 2988 شهيدا و 9210 جريحا، إضافةً إلى نزوح يفوق المليون شخص، ترفض إسرائيل إعلان أرقام دقيقة عن خسائرها، او نشر صور للدمار او المواقع المستهدفة، في إطار سياسة إعلامية تهدف إلى حجب صورة الضعف وحصر النقاش في رواية التفوق العسكري.
Advertisement

يصدر حزب الله بيانات عسكرية يومية تركز على "الميدان البري"، حيث يعلن عن تدمير آليات عسكرية إسرائيلية، واستهداف تجمعات للجيش الإسرائيلي ونصب كمائن واطلاق مسيرات وصواريخ. وتشدد هذه البيانات على أن "العدو الاسرائيلي مرعوب وعاجز امام المقاومة"، وأن إسرائيل "فشلت في تحقيق أهدافها"، مقدّماً الشهداء كجزء من "مسار النصر والصمود". كما يركّز الحزب في بياناته وإعلامه الحربي على نشر مشاهد استهداف الآليات الإسرائيلية، وإطلاق الصواريخ والمسيّرات، إلى جانب عرض مشاهد لجنود إسرائيليين أثناء الاشتباكات أو بعد الاستهداف، في محاولة لإثبات فعالية المقاومة ورفع معنويات بيئته الشعبية.

اما الجيش الإسرائيلي، فيصدر بيانات وخرائط وصوراً جوية لما يصفه بـ"مخازن صواريخ وسط أحياء سكنية"، متهماً الحزب باتخاذ المدنيين "دروعاً بشرية". وتؤكد بيانات إسرائيل، أن الحرب ليست ضد لبنان، بل ضد "حزب الله" الذي "يصادر السيادة الوطنية"، مشيرةً إلى مواصلة تدمير الأنفاق والمنصات حتى "إزالة أي تهديد" يمس أمن مواطنيها.

وفي محاولة لتفكيك الأبعاد العميقة لهذه البروبغندا المتبادلة، يقدّم الأستاذ الجامعي والباحث في علم السياسة والعلاقات الدولية، د.نبيل خوري قراءة تحليلية ترصد خلفيات هذا الصراع الإعلامي وتأثيره على الواقع الميداني والسياسي، حيث يقول عبر "لبنان٢٤": " إن الأطراف المتحاربة، تستخدم البروباغندا من أجل التلاعب بعواطف الجمهور وفصلها عن التفكير العقلاني، وذلك من خلال توظيف الرموز وكلمات مثل "البطولة"، "التضحية"، "الوطنية"، "الدين"، إضافةً إلى الصور والمشاهد التي من شأنها إثارة مشاعر الفخر أو الغضب أو التعاطف والتضامن. ومن أهم مرتكزات البروباغندا حسب الخوري، أنها تعمل على تعطيل النقاش العقلاني وتساهم في تعبئة جماعية أو تحفيز العمل الجماعي من خلال خلق شعور دائم بوجود حالة طارئة أو تهديد وجودي، كما هو الحال في الحرب الراهنة.

ويشرح الخوري، ان البروباغندا الإسرائيلية تركز على التفوق في القوة، عسكرياً وتكنولوجياً واستخباراتياً، وذلك من أجل تعزيز التضامن والصمود وإقناع الجمهور بأن بعض الخسائر تمثل "الثمن الضروري" الذي يجب دفعه في سبيل البقاء، وبأن هذه الخسائر هي دليل على "الصمود" وكذلك على "عدالة القضية" من منظور إسرائيلي. كما تهدف إلى تعزيز قدرة المجتمع على تجاوز المحن، وتحاول تسليط الضوء على الإنجازات التي تحققت ضد حزب الله والتغطية على الفشل في القضاء على قدرات الحزب بالكامل.

على المقلب الآخر، تُركِّز بروباغندا حزب الله، حسب الخوري، على إعادة تأطير الخسائر الفادحة التي يتكبدها من خلال وصفها بأنها "تضحية بطولية" و"انتصار معنوي"، وذلك بهدف تشتيت الانتباه عن الفشل العسكري وتعبئة الجمهور حول ما يعتبره القيمة العليا بالنسبة إليه، أي المقاومة، وحول "عدالة القضية" أيضاً من منظوره.

ويقول: "أمام كل نكسة يتكبدها أحد الأطراف، تأتي البروباغندا للعب دور ما في هجوم مضاد معنوي، يراد منه تحطيم معنويات العدو، إذ تركز البيانات الرسمية والفيديوهات والصور على "شجاعة المقاتلين"، و"صمود الناس"، و"القدرة على التحمل"، في سردية تشدد على أن "العدو لم يكسر إرادتنا"، وهذا ما يعني أن البروباغندا تساهم في تحويل الخسائر إلى رمز للمقاومة لا للفشل، خصوصاً عند حزب الله، وإلى رمز للصمود والبقاء لا للفشل، بالنسبة لإسرائيل".

ولا يمكن التطرق إلى البروباغندا من دون الحديث عن المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، اذ يحرص الرئيس الأميركي دونالد ترامب على استخدام لغة حادة تجمع بين التهديد العسكري والدعاية السياسية، فيُصرّ على أن أي اتفاق يجب أن يكون "عادلاً ومعقولاً"، ملوّحًا باستئناف القتال وبتشديد العقوبات في حال عدم تنازل ايران. هذا الخطاب يُقدَّم للرأي العام الأميركي والعالمي كدليل على الحزم والقيادة، ويُستخدم لتصوير واشنطن بموقع "حامي الاستقرار العالمي". 
فيما تسعى إيران إلى إظهار نفسها كطرف صامد يرفض الخضوع للابتزاز، فتركّز دعايتها على التمسك بحقوقها الشرعية الوطنية والدينية، وتُبرز العقوبات الأميركية كإجراء "ظالم" يستهدف الشعب بأكمله. وترد بخطاب يؤكد أن الصمود والتضحية هما عنوان المرحلة، وأن أي تنازل يُقدَّم في المفاوضات سيُعرض كـ"انتصار سياسي"، فيما يُصوَّر استمرار العقوبات كدليل على قوة الإرادة والكرامة الوطنية.

تاريخ سياسي حافل بالبروباغندا

ومن أبرز التجارب التاريخية في هذا المجال، تجربة وزير الدعاية النازي جوزيف غوبلز، الذي حوّل الإعلام إلى أداة تعبئة جماهيرية شاملة خلال الحرب العالمية الثانية. وعبر الأفلام والخطب والملصقات، عمل غوبلز على تمجيد التفوق الآري وشيطنة اليهود، مقدّمًا البروباغندا كسلاح نفسي يوازي المدفع والدبابة، وممهّدًا الطريق لتبرير سياسات الإبادة والحرب باعتبارها معركة وجودية. وقد تُنسب إليه العبارة الشهيرة: "اكذب، اكذب حتى يصدقك العالم"، في إشارة إلى أن التكرار المستمر للكذبة يحوّلها إلى حقيقة في وعي الجماهير.

وفي تجارب تاريخية أخرى، من البروباغندا الأميركية خلال غزو العراق عام ٢٠٠٣، التي روّجت لوجود "أسلحة دمار شامل" وربطت العراق بالإرهاب لتعبئة الرأي العام رغم غياب الأدلة، وصولاً إلى بروبغندا الحرب الأوكرانية حيث استخدم الكرملين شعار "العملية العسكرية الخاصة" ورمز Z لتصوير القتال كحرب ضد "النازية" وحماية الهوية الروسية، يتضح أنه في كل حرب تُستخدم الدعاية لتبرير القرارات السياسية والعسكرية، ولإقناع الشعوب بأن المعركة وجودية لا تحتمل النقاش.

واليوم، في المواجهة بين إسرائيل وحزب الله، يتكرر المشهد نفسه: لكل طرف روايته التي تُصاغ بما يخدم مصالحه وأهدافه في الحرب. وهنا، لا تبحث البروباغندا عن "الحقيقة" بقدر ما تسعى إلى تحقيق "المنفعة". فبينما تُخاض المعارك في الميدان وفي الأجواء، تدور بالتوازي معركة أخرى داخل غرف العمليات الإعلامية، هدفها كسر "العدو" نفسياً ومنع الجمهور من الوصول إلى الحقيقة الكاملة.
 
المصدر: خاص لبنان24
مواضيع ذات صلة
تابع
Advertisement

أخبارنا عبر بريدك الالكتروني

إشترك

رانيا عبيد - Rania Obeid