دخلت منطقة الشرق الأوسط منعطفاً استراتيجياً شديد الحساسية، تترجح فيه السيناريوهات بين حافة المواجهة الشاملة والفرص الدبلوماسية الأخيرة لإنهاء الحرب، وسط تحركات غير مسبوقة وضعت الملف الإيراني على طاولة الأمن القومي الأميركي.
وعلم
"لبنان24" من أوساط شديدة الصلة بالمفاوضات الجارية بين
الولايات المتحدة الأميركية وايران، أن الخطوط العريضة للتفاهم قد تم الاتفاق عليها ويجري البحث حالياً بالتفاصيل التنفيذية.
ووفق الأوساط، فإنَّ هناك مخاوف من أن يتسبب النقاش في التفاصيل ببعض العرقلة، من هنا يسجل حذر شديد في الحديث عن إيجابيات نهائية.
أما بالنسبة إلى
لبنان، فقد جرى التفاهم على وقف للعمليات العسكرية
الإسرائيلية على أن يكون أيلول هو المهلة الفاصلة لتبيان التزام الحكومة
اللبنانية بالقرارات التي اتخذتها بشأن حصرية السلاح، على أن تحتفظ اسرائيل بحقها في الدفاع عن حدودها في حال تعرضت لأي عدوان.
في السياق أيضاً، أفادت تصريحات متزامنة من واشنطن وطهران بأن المفاوضات غير المباشرة قد دخلت مرحلة "ضبابية ومفتوحة على عدة احتمالات"؛ فبينما تبدي الولايات المتحدة تفاؤلاً بـ"فرصة قريبة" لإعلان تقدم ملموس، تشترط
إيران "ضمانات واضحة وتنازلات طويلة الأمد"، معلنةً في الوقت ذاته عن ملامح "إطار تفاهم" أولي يضم 14 بنداً يُرجئ الملف النووي لحساب الأولويات الميدانية في لبنان وغزة.
ويتزامن هذا التجاذب السياسي مع حراك إقليمي ودولي محموم حبس أنفاس المنطقة؛ إذ غادر قائد الجيش الباكستاني، الجنرال عاصم منير، العاصمة الإيرانية طهران في وقت متأخر من ليل الجمعة بصمت ودون إدلاء تصريحات، بعد ساعات طويلة من المباحثات المكثفة للوساطة بين الطرفين. وفي المقابل، أعاد الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، ترتيب برنامج عطلته واجتمع بفريقه للأمن القومي لدراسة أحدث مسودات الاتفاق، بالتوازي مع إبقاء الخيارات العسكرية قائمة لتوجيه ضربات محتملة تشمل منشآت الطاقة ومواقع التخصيب، حال تعثر المسار السياسي.
ميدانياً، امتد التوتر الاستراتيجي إلى ممرات الملاحة الدولية، حيث أعلنت طهران عن عبور مكثف للسفن في مضيق هرمز بالتنسيق مع "الحرس الثوري" لتأهيل الممر المائي كمورد لـ"اقتصاد الحرب"، ملوحةً بتوسيع نطاق الردع صوب مضيق باب المندب. هذا التصعيد الإيراني قوبل بتحذيرات أوروبية حازمة أكدت الالتزام الصارم بأمن الملاحة والبدء بتحركات لوجستية صوب "هرمز"، لضمان تدفق التجارة العالمية وتفادي صدمات حادة في أسواق الطاقة.
لبنانيا، مع أن الأنباء المتواترة بكثافة أمس عن اقتراب الاختراق المتمثل بالتوصل إلى مذكرة تفاهم بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران بوساطة باكستانية - قطرية، كان يُفترض أن تشد أنظار اللبنانيين إلى ما يمكن أن يتركه هذا التطور من تداعيات مباشرة أو غير مباشرة على حالة الحرب المتواصلة بين
إسرائيل و"
حزب الله" تحت عنوان هدنة زائفة، فإن لبنان ظل في "عالَمه" غارقاً في التصعيد المتواصل الذي عبر الجنوب إلى البقاع وراشيا والبقاع
الشمالي.
وإذا كان خيار المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل برعاية الولايات المتحدة شكّل، بإقرار معظم الداخل والخارج، الخيار الحتمي الأفضل والمتاح للبنان للتوصل إلى استراتيجية إنقاذ وخروج من الكارثة الراهنة، فإن ذلك لا يحجب الحراجة والدقة والأخطار التي يواجهها لبنان في رحلة التفاوض، وسط تنامي الضغوط الهائلة على السلطة لتنفيذ قراراتها الذاتية نفسها المتصلة بحصر السلاح بيد الدولة، وبالتالي نزع سلاح "حزب الله".
ووزّع إعلام "حزب الله" نص رسالة تلقاها الأمين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم من
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي شدد فيها على أنه "منذ اللحظة الأولى التي تدخلت فيها بعض دول المنطقة كوسيط بقصد خفض التوتر بين الجمهورية الإسلامية والولايات المتحدة الأميركية، طرحت إيران ربط وقف إطلاق النار في لبنان بأي اتفاق، وهذا الموضوع الهام حتى يومنا هذا بقي بمثابة مبدأ لا ريب فيه، وهو من جملة المطالب المحقة للحكومة الإيرانية وشعبنا البطل، وسيبقى كذلك". وختم لافتاً إلى أنه في "آخر مقترح قدمته الجمهورية الإسلامية عبر الوسيط الباكستاني بهدف إيقاف الحرب بشكل دائم ومستقر، تم التأكيد على مطلب شمول لبنان في وقف إطلاق النار".
واشار مصدر سياسي متابع أشار لصحيفة "نداء الوطن" إلى أن المحادثات بين واشنطن وطهران، مهما كانت نتائجها قد ترخي بثقلها على لبنان، وتحديدًا على ملف التفاوض مع إسرائيل، فالتوصل إلى اتفاق طويل الأمد، ربما يشتمل على قرار يلزم إيران بالتخلّي عن دعم أذرعها في المنطقة، ومن بينها "حزب الله"، الذي سيجد نفسه مجبرًا على تسهيل مسار التفاوض وحتى التعاون في ملف تسليم سلاحه إلى الدولة. أما إذا ذهبت الأمور نحو خيار تجدّد الحرب، فقد يرفع "الحزب" وتيرة عملياته العسكرية، ويعيد إدخال لبنان في أتون مواجهة جديدة، ليستمرّ بذلك في عرقلة المفاوضات لمباشرة.
وقالت مصادر مطلعة لـ"الديار"، ان التصعيد الاسرائيلي لم يتوقف خلال ما سمي بهدنة الـ45 يوما ، مشيرة الى ان توسيعه في الساعات الماضية، يهدف الى الضغط على لبنان عشية اجتماع البنتاغون، ثم جولة المفاوضات المقررة في 2و3 حزيران المقبل.
واعربت المصادر عن اعتقادها بان "اسرائيل" ستواصل رفع وتيرة تصعيدها، لممارسة المزيد من الضغط على لبنان ، مشيرة الى ان العقوبات الاميركية الاخيرة تصب في الاطار نفسه.
وعما اذا كانت العقوبات الاميركية ستنعكس على الوفد العسكري، اكدت المصادر ان الوفد ذاهب الى اجتماع البنتاغون مزود بتوجيهات وتعليمات واضحة، تتمحور حول مطلب تثبيت وقف اطلاق النار ، ولا يمكن ان يحيد عنها.
وخلصت المصادر الى القول ان اجواء المفاوضات الجارية حتى الآن، في ظل عدم تثبيت وقف النار، لا تبعث على التفاؤل.