كتب فراس العريضي في "نداء الوطن":
أي وقف نار مقبل لن يكون شبيهًا بالتفاهمات السابقة التي قامت على تجميد مؤقت للاشتباك. فالمزاج الدولي والإقليمي يبدو أكثر ميلاً هذه المرة نحو صيغة طويلة الأمد تمنع العودة السريعة إلى نموذج "
الجبهة المعلقة" التي تنفجر كل بضع سنوات. لهذا، قد لا يكون وقف النار مجرد استراحة بين جولتين، بل بداية مرحلة إعادة رسم التوازنات الأمنية في الجنوب.
السيناريو الأكثر واقعية لا يقوم على بقاء إسرائيلي طويل داخل الأراضي
اللبنانية، بل على انسحاب تدريجي ومدروس، مقابل إنشاء واقع أمني جديد يمنع عودة الحدود إلى ساحة صواريخ مفتوحة.
لكن المعضلة الأساسية بالنسبة لإسرائيل لا تتعلق بالانسحاب نفسه، بل بمن سيملأ الفراغ؟
هنا يظهر الطرح المتعلق بإعادة تنظيم الوجود الأمني في الجنوب عبر قوة متعددة الجنسيات ذات غطاء غربي واضح، تقودها
الولايات المتحدة سياسياً ولوجستياً، مع احتمال مشاركة وحدات من المارينز الأميركية ضمن إطار أقرب إلى قوة مراقبة وضمان للمرحلة الانتقالية. وجود كهذا سيكون بالغ الحساسية داخلياً، لكنه قد يُطرح غربياً باعتباره الضمانة الوحيدة لمنع انهيار أي تفاهم ميداني جديد، وطمأنة
إسرائيل إلى أن الجنوب لن يعود سريعاً إلى نقطة الاشتعال السابقة. إن أي تسوية جدية ستحتاج حكماً إلى إعادة بناء المؤسسة العسكرية اللبنانية بصورة غير مسبوقة. فالولايات المتحدة ودول
الخليج تدرك أن أي محاولة لدفع
حزب الله إلى تقليص دوره العسكري من دون خلق بديل أمني موثوق قد تدفع البلاد نحو فوضى خطيرة أو صدام داخلي مؤجل.
من هنا، قد تتجه المرحلة المقبلة نحو برنامج واسع لتسليح
الجيش اللبناني وتدريبه وتمويله، بهدف تحويله تدريجياً من مؤسسة دفاع داخلي محدودة الإمكانيات إلى قوة قادرة على فرض حضور فعلي على الأرض. ومع ذلك، يبقى نجاح هذا التحول مرتبطاً بقدرة النظام اللبناني نفسه والدولة العميقة على حماية المؤسسة العسكرية من الانقسامات الداخلية والتجاذبات السياسية التقليدية.
النقطة الأكثر تعقيداً في أي تسوية مقبلة ستبقى بلا شك موقع حزب الله ودوره المستقبلي.
فالحزب تحول خلال العقود الماضية إلى جزء أساسي من البنية الاستراتيجية
الإيرانية في المنطقة. ولذلك، فإن أي نقاش حول سلاحه لا يرتبط فقط بالساحة اللبنانية، بل أيضاً بمستقبل التوازن الإقليمي بين
إيران وإسرائيل والولايات المتحدة.
للمرة الأولى منذ عقود، يصبح مطروحاً عملياً الانتقال من نموذج "الدولة الضعيفة القادرة على التعايش مع السلاح"، إلى نموذج يسعى، ولو تدريجياً، إلى إعادة احتكار الدولة للقوة والقرار الأمني. وهنا تحديداً قد تبدأ المعركة الأصعب: ليس على الحدود فقط، بل داخل البنية السياسية والنفسية للنظام اللبناني نفسه. هل تستطيع القوى اللبنانية القبول بقيام دولة قوية حتى لو خسرت جزءاً من امتيازاتها التقليدية؟
وهل يستطيع حزب الله التكيف مع واقع يتحول فيه من قوة فوق الدولة إلى قوة داخلها؟
وهل ينجح الخارج في فرض الاستقرار من دون إعادة إنتاج الوصايات القديمة بصيغ جديدة؟
ربما لا تكون المعركة المقبلة على حدود الجنوب فقط، بل على طبيعة
الدولة اللبنانية نفسها، لأن ما يُحسم اليوم ليس فقط مصير الحرب، بل طبيعة
لبنان الذي سيخرج منها.