تعيش المنطقة واحدة من أكثر لحظاتها دقةً وحرجًا منذ سنوات. فبينما ترتفع وتيرة الحديث عن قرب التوصل إلى اتفاق بين
واشنطن وطهران قد يضع حدًا لحربٍ امتدت نحو ثلاثة أشهر وشملت ساحات متعددة، تأتي تصريحات الرئيس الأميركي
دونالد ترامب الأخيرة لتحمل رسائل مزدوجة: من جهة، تأكيد استمرار التفاوض، ومن جهة أخرى، تعمّد إبطاء الاندفاعة نحو الاتفاق، بما يوحي بأن واشنطن لا تزال ترى في عامل الوقت ورقة ضغط استراتيجية على طهران. هذا التريث الأميركي يفتح الباب أمام اللاعبين الإقليميين، وفي مقدّمهم
إسرائيل، لاستغلال المرحلة الانتقالية بين التفاوض والإعلان.
في هذا السياق، يبدو أن إسرائيل تسعى إلى تكريس معادلة ميدانية تضمن لها «حرية الحركة» داخل الساحة
اللبنانية، مستفيدةً من أي هامش زمني متاح قبل تثبيت أي تفاهم دولي جديد. وعليه، يقف
لبنان مرةً جديدة متأثرًا بما يُطبخ في الخارج أكثر مما يشارك في صياغته. وبينما يتمسّك رسميًا بثوابته، وعلى رأسها وقف إطلاق النار الكامل وانسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة، تبقى قدرته على التأثير محدودة في ظل غياب وضوح الرؤية حول ما قد يتضمنه أي اتفاق أميركي–إيراني.
اللافت أن الحديث عن استنساخ تجارب سابقة، كاتفاقات مؤقتة تتيح لإسرائيل هامش تحرّك عسكري، يعكس مخاوف حقيقية من أن يكون أي وقف لإطلاق النار هشًا وقابلًا للانهيار عند أول اختبار. ومع اقتراب موعد الاجتماع الأمني المرتقب في البنتاغون، تتجه الأنظار إلى ما إذا كان هذا المسار سيفتح نافذةً جدية لتثبيت الاستقرار، أم أنه سيكون مجرد محطة إضافية في إدارة الصراع لا حلّه.
ضمن هذا السياق، تتبلور مقاربة الحزب التي ترفض أي بحث في مسألة السلاح بمعزل عن مسار الصراع مع إسرائيل، حيث يُربط هذا الملف بجملة شروط تتعلّق بوقف العدوان، والانسحاب الكامل، وتحرير الأسرى، وعودة الأهالي. وتعكس هذه الرؤية تمسّكًا باعتبار السلاح عنصر ردع أساسي لا يمكن إخضاعه للنقاش الداخلي في ظل اختلال موازين القوى، بل يجب أن يبقى جزءًا من معادلة المواجهة المفتوحة.
في المقابل، تدفع أطراف داخلية وخارجية باتجاه تكريس مبدأ حصرية السلاح بيد الدولة، باعتباره مدخلًا لإعادة بناء المؤسسات وتعزيز الشرعية. غير أنّ هذا الطرح يصطدم برفض واضح من الحزب، الذي يعتبر أنّ هذه الدعوات، في توقيتها الحالي، تخدم مشروعًا يهدف إلى تجريد لبنان من عناصر قوته الدفاعية وفتح الباب أمام مزيد من الضغوط
الإسرائيلية والدولية.
ولا ينفصل هذا السجال عن البعد الاجتماعي والاقتصادي للأزمة، حيث يتّسع نطاق المواجهة ليشمل مؤسسات تُعدّ جزءًا من البيئة الحاضنة للحزب، مثل «القرض الحسن»، في ظل اتهامات بأن استهدافها يندرج ضمن سياسة تضييق تستهدف الفئات الأكثر هشاشة. ومع تصاعد هذا المسار، يبرز خطاب يضفي مشروعية على التحرّك الشعبي، وصولًا إلى حدّ التلويح بإسقاط الحكومة إذا ما استمرّت في تبنّي خيارات تُصنَّف ضمن المشروع الأميركي–
الإسرائيلي. وقال الامين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم إن استهداف القرض الحسن هو استهداف للفقراء وذوي الدخل المحدود، ورأى أن من حق الشعب النزول إلى الشارع وإسقاط الحكومة في مواجهة المشروع الأميركي الإسرائيلي الذي يستهدف مؤسسات البلاد.
في موازاة ذلك، تشكّل العقوبات التي تفرضها
الولايات المتحدة عامل ضغط أساسي، إلا أنّ الحزب يقدّم نفسه في موقع القادر على امتصاص تداعياتها، بل وتحويلها إلى عنصر تعبئة داخلية. وتبرز في هذا الإطار نبرة تحذيرية من أنّ أي تصعيد إضافي قد ينعكس فوضى على الساحة اللبنانية، في ظل هشاشة الأوضاع الاقتصادية والمؤسساتية.
واللافت في هذا السياق أنّ المعطيات المتداولة داخل بيئة
حزب الله تُظهر أنّ النقاش لم يعد محصورًا في مواجهة الضغوط الخارجية، بل بات يمتد إلى مراجعة جدوى المشاركة في السلطة نفسها. فثمّة
تيار داخل "الحزب" يرى أنّ الاستمرار في الحكومة، خصوصًا منذ جلسة
مجلس الوزراء في 2 آذار، وما صدر عنها من اعتبار أنشطة الحزب مخالفةً للقانون، هو أمر لزوم ما لا يلزم، بل يضع "الحزب" في موقع متناقض بين دوره المقاوم والتزاماته الحكومية، ويحوّل وجوده داخل الحكومة لاعطاء شرعية ديموقراطية لقرارات الحكومة ولشاهد زور داخلها.
هذا الرأي يدفع باتجاه إعادة النظر في البقاء داخل السلطة التنفيذية، انطلاقًا من اعتبار أنّ الغطاء السياسي الذي توفّره المشاركة لم يعد قائمًا، بل تحوّل إلى عبء يُستخدم لتقييد "الحزب" داخليًا وخارجيًا. في المقابل، لا يزال هناك من داخل "الحزب" من يتمسّك بخيار البقاء في الحكومة، انطلاقًا من حسابات تتعلّق بإدارة التوازنات الداخلية ومنع خصومه من التفرّد بالقرار السياسي.
إلى جانب ذلك، تتصاعد انتقادات داخلية تطال أداء المجلس السياسي في "الحزب"، إذ يعتبر بعض الكوادر أنّه لا يقوم بالدور المطلوب منه في هذه المرحلة الحساسة، سواء لجهة مواكبة التحولات السياسية أو تقديم رؤى وخيارات واضحة للقيادة. ويذهب هذا التقييم إلى حدّ وصف المجلس بأنّه شبه معطّل، أو على الأقل غير فاعل بما يكفي، ما يطرح تساؤلات حول آليات اتخاذ القرار داخل "الحزب" وحدود النقاش الداخلي فيه.
وفي حين لا تترك الحكومة فرصة للتضييق على بيئة المقاومة خاصة في اماكن النزوح يستمر خطاب المستوى السياسي والإعلامي ل"الحزب" تحت عناوين مد اليد، وإعلان عدم النية بالتصادم مع الحكومة وليصبح السؤال ، وفق كوادر "الحزب"،ما جدوى طمأنة سلطة لا توفر فرصة للنيل من جمهور "الحزب" على أكثر من مستوى.
في المحصلة، تعكس هذه المواقف وجود نقاش داخلي حقيقي حول الأولويات، بين من يرى ضرورة التشدد والانسحاب من الحكومة حفاظًا على هوية "الحزب" ودوره، ومن يفضّل البقاء داخل المؤسسات لتفادي خسارة الحضور السياسي. وهو نقاش مرشّح للتصاعد، خصوصًا مع استمرار الضغوط الإقليمية والدولية وتزايد التعقيدات على الساحة اللبنانية.