يقف العالم اليوم شاهداً على عصر "أتمتة الموت"، حيث تُدار المعارك بعقول افتراضية لا بعقول البشر. فالآلة القاتلة لا ترى في الضحية كائناً حياً يملك عائلة أو قصة، بل تراه معطيات رقمية وإحداثيات ضمن "بنك الأهداف". إن غياب العنصر الإنساني عن لحظة اتخاذ القرار العسكري فيجرّد الحرب من آخر كوابحها الأخلاقية، فالآلة لا تعرف الخوف الذي قد يدفع جندياً للتراجع في اللحظة الأخيرة. إنها حرب تقودها خوارزميات صماء، تُبيد بدم بارد، مما يترك الحروب الحديثة فاجعة بلا فاعل حقيقي يمكن سوقه إلى ساحات العدالة الدولية.
كيف تُدار الحرب بالخوارزميات؟
وإذا ما أُخذت
إسرائيل كمثالٍ حيّ ومباشر في هذا السياق، يتجلى توظيف الذكاء الاصطناعي في جبهات النزاع الراهنة عبر تحويل الميدان إلى مختبر مفتوح لأعقد المنظومات التكنولوجية الفتاكة من خلال مسارات عملياتية عدة، حيث يبرز أولاً المصنع الأوتوماتيكي للأهداف من خلال اعتماد الجيش
الإسرائيلي على نظام "Lavender" "لافندر" لمسح وتحليل البيانات الرقمية لمئات الآلاف من الأشخاص وتصنيفهم كأهداف تصفية محتملة بناءً على رصد تحركاتهم وارتباطاتهم بالتكامل مع نظام "The Gospel" "غوسبل" المخصص لإنتاج أهداف جغرافية عبر تحديد المباني والمنشآت والبنى التحتية المرشحة للقصف الجوي بوتيرة متسارعة.
ثانياً، تدار عمليات الملاحقة والاغتيال المبرمج عبر منظومات تتبع لصيقة أشهرها نظام "أين أبي؟" "Where's Daddy" الذي يراقب تحركات الخصوم وينتظر دخولهم إلى منازلهم وبين عائلاتهم لإعطاء إشارة القصف البارد مدعوماً بآليات دمج وتدقيق فوري لبيانات الاتصالات والتعرف على الوجوه عبر الكاميرات والطائرات المسيّرة، كما تستند هذه المنظومة ثالثاً إلى بيئة برمجية وسحابية فائقة السرعة حيث أُدخلت تطبيقات "الذكاء الاصطناعي الوكيل" ومنصات الـ "نو كود" التي تعمل ذاتياً على جمع وتصنيف المعلومات الاستخباراتية من مصادر متعددة ومعالجة الصور الجوية والملفات الصوتية الضخمة مما يتيح للمحللين الميدانيين اتخاذ قرارات قتالية فورية.
ويمتد هذا الدور، إلى التنبؤ الدفاعي والإنذار المبكر عبر دمج الخوارزميات في منظومات الدفاع الجوي للتنبؤ الفوري بمسارات المقذوفات وأماكن سقوط الصواريخ وشظايا الاعتراض، ما يحوّل الحرب بمجملها إلى معادلة رقمية باردة تُجسد تماماً أبعاد المعركة الرقمية الموازية التي تسحق الضمير الإنساني وتحول الأرواح إلى مجرد بيانات في صندوق برمجيات مغلق.
"الإنسانية الرائعة"... الفاتيكان يحذّر من آلة الموت الرقمي
ولا يمكن تفكيك تعقيدات هذه الأزمة الوجودية وفهم أبعادها بمعزل عن الدور الاستثنائي الذي يضطلع به الفاتيكان اليوم لتجريد التكنولوجيا من نزعتها الدموية، وتبرير ذلك يتضح في رسالة البابا لاوون الرابع عشر، التي تحمل عنوان "الإنسانية الرائعة" لتمثل نقطة تحول مفصلية يواصل من خلالها الحبر الأعظم نهج السلام الكنسي في وجه ميادين الحروب والتغول التكنولوجي والجيوسياسي الذي يهدد الوجود البشري، حيث حذّر البابا من أنظمة القتل الذكية في الميدان مفككاً الأسلحة النفسية الموازية عبر الربط بين استخدام الذكاء الاصطناعي عسكرياً وبين معركة هندسة الوعي وتمرير السرديات الإعلامية المستقطِبة التي تروّج لها القوى الكبرى كالإدارة الأميركية لتبرير نزاعاتها، لتأتي مطالبة الفاتيكان بتجاوز نظرية الحرب العادلة وتجريد الآلة من السلاح كمواجهة دبلوماسية مباشرة مع ثقافة القوة التي تستسهل إشعال الجبهات كافة وتستبدل التفاوض بالخوارزميات الباردة.
ومن خلال هذا الموقف الصارم يعيد البابا تذكير المجتمع الدولي بأن السلام لا يمكن أن يُصنع في أروقة الشركات الرقمية أو عبر حسابات الصناديق البرمجية الصماء التي تفتقر للذاكرة التاريخية والمسؤولية الأخلاقية، مؤكداً في صرخة لاهوتية وسياسية متكاملة أن حماية حق الشعوب في الحياة وصون كرامتها هو الجوهر الحقيقي لأي حضارة، وأن أي قتال يُدار بلا قلب أو ضمير إنساني هو مجرد انحدار نحو عبودية برمجية جديدة تنزع الإنسانية عن الموت كما نزعتها عن الحياة.
مواجهة "عسكرة الخوارزميات"
وفي قراءة الدوائر الكنسية، لهذه الرسالة البابوية، يُنظر إلى تحذيرات الحبر الأعظم كحجر زاوية في صياغة مفهوم "الأخلاقيات الخوارزمية" (Algorithmic Ethics)، وهو المفهوم الذي بات يشكّل عقيدة الكنيسة الحديثة لحماية كينونة الإنسان. إذ تتلاقى رؤية البابا مع الوثائق والتوصيات الصادرة عن "الأكاديمية البابوية للحياة" في الفاتيكان، لا سيما "نداء روما لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي" عام٢٠٢٠ الذي يحظى برعاية كنسية مباشرة ودعم من ممثلي الأديان السماوية.
وترى الكنيسة من خلال هذه المقاربات الأخلاقية والقانونية أن منح الآلة سلطة اتخاذ القرار العسكري أو تحديد مصائر البشر يمثل تجديفاً علنياً بحق "الخلق الإنساني" وسلباً للإرادة الحرة التي منحها الخالق للبشر، مؤكدة في أدبياتها المعاصرة أن المسؤولية الأخلاقية والجنائية هي صفة ملازمة للوعي الإنساني والضمير الحي، ولا يمكن بأي حال من الأحوال تفويضها لصناديق برمجية صماء، مما يجعل من مواجهة "عسكرة الخوارزميات" واجباً إيمانياً وأخلاقياً لحماية الحياة البشرية وصون كرامتها من السقوط في هاوية الموت المؤتمت.
تفويض الآلة بالموت والحياة
وفي القراءة التقنية، يرى الخبير في أمن المعلومات رولان أبي نجم في حديث لـ "
لبنان 24" أن العالم يقف اليوم على حافة تحوّل وجودي مرعب تتجاوز فيه تقنيات الذكاء الاصطناعي دور الأداة المساعدة لتتحول إلى "عميل ذكي" يُمنح سلطة اتخاذ القرارات المصيرية بدلاً من الإنسان، وهو تطور لا يقتصر على الملفات الإدارية والاقتصادية التي يتسلل إليها الفساد والسرقة بل يمتد إلى تفويض الآلة بقرار القتل وتحديد هوية من يموت في ساحات النزاع، مشيراً إلى تفكك المعايير الدولية ومؤكداً استحالة تنظيم أو تأطير هذه التكنولوجيا في ظل رفض
الولايات المتحدة والصين وضع ضوابط حقيقية تقيّد جموح برمجياتهما وانفراد الاتحاد
الأوروبي بمحاولة سن تشريعات تظل حبيسة كواليس المنافسة الأميركية الصينية.
كيف تغلّبت المصالح الرقمية على الأخلاق والسياسة؟
ويوضح أبي نجم أن غياب المرجعية الموحّدة دفع ببعض الشركات والدول الأوروبية إلى التوجه نحو أسواق جنوب شرق آسيا كإندونيسيا والفلبين للاستثمار بحريّة بعيداً عن الأخلاقيات والتشريعات القانونية، وهو استقطاب مالي وتكنولوجي يعلو فوق كل اعتبار جيوسياسي وتجسّد بوضوح في الزيارات الدبلوماسية الرفيعة كزيارة الرئيس الأميركي
دونالد ترامب إلى الصين والتي اصطحب فيها كبار قادة شركات التكنولوجيا دلالةً على أن المصالح الرقمية والمالية المشتركة تتجاوز الصراعات والعداوات المعلنة بين الدول، ليلتقي تحليل أبي نجم في هذا السياق مع جرس الإنذار الذي دقّه البابا لاوون الرابع عشر متقاطعاً معه في رصد ثلاث جبهات وجودية تهدد الكيان البشري نتيجة غياب الأطر التنظيمية.
وتتمثل الجبهة الأولى العسكرية في إلحاح تجريد الذكاء الاصطناعي من السلاح ومنع استخدامه في تطوير الأسلحة وتحديد الأهداف لا سيما مع وجود هامش الخطأ البنيوي في الخوارزميات الذي يدفع ثمنه الأبرياء وسط بارقة أمل ضئيلة تقودها شركات مثل "أنثروبيك" للحد من سيطرة الآلة على القرار البشري، بينما تتجلى الجبهة الثانية الاقتصادية في الاندفاع نحو استبدال العمالة البشرية بالآلة الصماء لصالح الكارتيلات المالية مما يهدد بسحق فرص العمل وترك المجتمعات في مواجهة شبح البطالة الهيكلية وتحول البشر إلى مجرد مستخدمين مستهلكين، وصولاً إلى الجبهة الثالثة المعرفية والروحية حيث يجتاح التهديد البنية المعرفية للإنسان من خلال خوارزميات تغير الحقائق وتصيغ الوعي الموجه عبر حرمان المستخدم من تنويع مصادره الفكرية في البحث وتلقينه جواباً خوارزمياً واحداً يلغي التفكير النقدي ويضع الإرث الثقافي والأديان في دائرة الخطر المباشر.
الذكاء الاصطناعي وفقدان الضوابط الأخلاقية
وفيما تتباهى الشركات بوضع كوابح أخلاقية لنسخ الذكاء الاصطناعي العامة لمنع الإجابة على الأسئلة غير الأخلاقية، يلفت أبي نجم الى الوجه الآخر للأزمة والمتمثل في الإنترنت المظلم (Dark web)حيث تنشط نسخ مطوّرة من الذكاء الاصطناعي منزوعة القيود والحدود بالكامل مستعدة لتقديم أدلة تفصيلية حول كيفية صناعة القنابل النووية ووسائل القتل المبتكرة.
ويحذّر ابي نجم من أن الدول والحكومات لم تعد تملك زمام السيطرة على هذه التكنولوجيا بل إن الإدارات الكبرى كواشنطن تدفع نحو تسريع التطوير على حساب الأخلاقيات بذريعة الحفاظ على الميزة التنافسية، ليصبح العالم محكوماً بقانون الغاب الرقمي حيث تسيطر شركات عابرة للقارات على مصير ومستقبل البشرية في وقت يندفع فيه قادة الدول نحو صراعات قد تفضي إلى خسارة الميزة البشرية ذاتها لصالح بيئة تطغى فيها التكنولوجيا على العقل، فيفقد الإنسان أثمن ما يملك: إرادته الحرة، وتفكيره النقدي، وإنسانيته.
Sent from my iPhone