كتب طوني عيسى في" الجمهورية": تبرز فرضية عسكرية مفادها، أنّ الاستمرار في التمركز تحت المرتفعات سيكبّد القوات
الإسرائيلية خسائر بشرية ومادية فادحة. ولتلافي هذا المأزق، قد يتّجه التفكير العملياتي
الإسرائيلي نحو خيار أكثر شراسة وخطورة، وهو الصعود نحو جبال إقليم التفاح والسيطرة على أعالي مرتفعاته.
ويمثل التمدّد نحو أعالي الإقليم، وتحديداً السيطرة على المثلث الاستراتيجي كفرحونة إقليم التفاح مشغرة، الهدف الأقصى الذي يمنح الطرف المسيطر ميزة الإشراف البصري والناري الشامل. فمن الناحية التكتيكية، يتيح هذا المرتفع، غرباً وجنوباً الإشراف الكامل على الساحل اللبناني وعموم المنطقة الممتدة حتى الحدود مع
إسرائيل. وشرقاً كشف البقاع
الغربي بكامله وصولاً إلى الحدود
السورية. وهذه المعطيات تثير هواجس جدّية لدى المحللين وصنّاع القرار في
بيروت، من إمكان سعي إسرائيل إلى استعادة «ستاتيكو » شبيه بما كان سائداً قبل العام 2000 ، عندما كان الجنوب مقسوماً بين «شريط حدودي » تمسك به إسرائيل مباشرة، ومنطقة جزين والجوار التي كانت تخضع لسيطرة وإشراف أمني وعسكري بمستويات متفاوتة لتأمين حماية العمق.
والوقائع التي ترتسم على الأرض بالقضم التدريجي المتواصل، تسابق عقارب الساعة الديبلوماسية. وإذا ما نجح الجيش الإسرائيلي في فرض هيمنته على هذه المرتفعات الحاكمة قبل جلسة 22 الجاري، فإنّ هامش المناورة المتاح للمفاوض اللبناني سيتقلّص إلى حدوده الدنيا. وبحسب المسار الحالي، فإنّ الانتقال من جولة مفاوضات إلى أخرى في ظل استمرار التوغل، قد يؤدي إلى سياسة فرض الأمر الواقع، بحيث يضيق الهامش اللبناني إلى حدّ الاختناق، وتصبح كل السيناريوهات القاسية واردة على الطاولة.
وفي المحصلة، يتبدّى سباق ساخن وغير متكافئ بين الماكينة الإسرائيلية التي تمضي في قضم
لبنان، وماكينة السلطة
اللبنانية التي تذهب إلى تفاوض معقّد في واشنطن، معتمدة بشكل شبه كامل على المساعدة الميدانية الأميركية، لكنها في الواقع تفاوض بلا أوراق قوة حقيقية، لأنّ آليات فرض القرار السياسي، والإمساكالفعلي بقرار الحرب والسلم، وضبط مسألة السلاح، معطلة بكاملها، تحت وطأة الانقسامات التي لا أفق لها سوى الخراب.
وكتب ريشار حرفوش في" نداء الوطن":
عام 1985، لم تكن جزين مجرّد مدينة جنوبية تواجه عواصف الحرب، بل كانت آخر ما تبقّى من حضور مسيحي متماسك في عمق الجنوب، بعد موجات التهجير التي طاولت قرى شرق صيدا ومنطقتها. يومها، لم يكن الجيش اللبناني بصورته الحالية موجودًا كقوة موحّدة، بل كانت البلاد موزّعة بين خطوط تماس وقوى أمر واقع، فيما كانت جزين تقف عند خط النار الفاصل بين مشاريع متناقضة تتصارع على الأرض والهوية. في تلك المرحلة، تحوّلت المدينة إلى ملجأ لآلاف النازحين، وإلى عنوان إنساني استقطب اهتمام الفاتيكان مباشرة. فبعد الأحداث الدامية التي شهدها الجنوب، أوفد الكرسي الرسولي ممثليه إلى المنطقة، وصولا إلى الزيارات البابوية التي أرادت التأكيد أن جزين ليست وحدها.
ويستعيد أبناء المدينة اليوم تلك المرحلة، لا سيما مع ما حملته من مبادرات هدفت إلى تحييد المنطقة وإبعادها عن أتون الصراعات، تحت شعارات رفعت آنذاك أولوية حماية جزين وأهلها ومنع تحويلها إلى ساحة حرب جديدة، فكانت "جزين أولا"، التي أطلقها السفير سيمون كرم..
مصدر دبلوماسي معني بالملف تحدّث عبر "نداء الوطن" عن مبادرة "جزين أولا"، مؤكدًا أن "السفير كرم هو من أطلق هذه المبادرة في أواخر التسعينيات من منزل النائب جان عزيز". واعتبر أن "النقطة الأساسية في موضوع المنطقة التجريبية تكمن في وضع حد للنكبة الحاصلة في الجنوب، من خلال وقف التدمير الممنهج وإطلاق النار، عبر دخول الجيش اللبناني إلى المناطق، وعودة السكان، ومباشرة العمل". أضاف أن "ثمة تقاربًا من حيث المبدأ بين مبادرة جزين أولا وما يتم البحث فيه اليوم، لكن الظروف مختلفة تمامًا بين الأمس واليوم".
وذكرت المصادر أن "خروج جيش لحد من جزين عام 1999 أثار غضب
سوريا و "
حزب الله" والدولة اللبنانية آنذاك على حدّ سواء، إذ رفضت الدولة إدخال الجيش اللبناني إلى جزين لمدة عام، وبقيت تطوّق المدينة حتى عام 2000، مع التحرير وخروج الإسرائيلي من كل الجنوب، لكن جزين كانت بوابة التحرير". وختم المصدر: "إن تنفيذ المناطق التجريبية سيُعيد الجيش اللبناني إلى تمركزه السابق، بهدف الإمساك بالمنطقة، كما كان الوضع قبل إدخال حزب الله لبنان في حرب الإسناد، من خلال إطلاق الصواريخ من الجنوب".
خادم رعية جزين المارونية المونسينيور إلياس الحلو، استعاد الدور الذي لعبه الفاتيكان في مواكبة أوضاع المنطقة، مشيرًا إلى أن "العلاقة بين جزين والكرسي الرسولي لم تكن يومًا علاقة ظرفية".وأوضح الحلو أن "أول زيارة للكاردينال اتشيغاراي إلى جزين جرت في نيسان عام 1985، حيث حظي باستقبال شعبي ورسمي حاشد، ورافقه يومها المطران إبراهيم الحلو والمونسينيور حنا الحلو، المترجم الخاص للموفد، إلى جانب شخصيات سياسية وفعاليات روحية واجتماعية من المنطقة، وشملت الزيارة جولات ميدانية على عدد من قرى وبلدات قضاء جزين". أضاف أن "الاهتمام الفاتيكاني لم يتوقف عند تلك الزيارة، إذ أوفد الكرسي الرسولي لاحقًا المونسينيور بوهيغاز ليكون ممثلا بابويًا مقيمًا يتابع أوضاع المنطقة بشكل يومي، وقد أمضى 5 إلى 6 سنوات مواكبًا حياة الناس، قبل أن يتولى الراهب العازاري الأب سمعان عطالله متابعة هذه المهمة". وأشار إلى أن "المخاوف الحالية لدى الأهالي ترتبط بصورة أساسية بإمكان توسع المواجهات العسكرية أو انتقال تداعياتها إلى المناطق المدنية". ولفت إلى أن البطريركية والمؤسسات الكنسية والرهبانيات والجمعيات تتابع أوضاع الأهالي بشكل دائم، كما أن الفاتيكان لا يزال يولي اهتمامًا خاصًا لجزين.
إذًا، بين ذاكرة التهجير في الثمانينيات وهواجس الحاضر، يتمسّك أبناء جزين بمعادلة واحدة: لا عودة إلى زمن الخوف. فجزين، التي تعني "الخزان" بالسريانية، لم تكن يومًا مجرد خزان مياه، بل خزانًا بشريًا حافظ على أرضه وهويته رغم العواصف. وكما وقفت المدينة في وجه المحن السابقة، ستقف اليوم مرة ثانية، على أمل أن تلحقها المنطقة التجريبية التي تحدث عنها الجانب الأميركي، والتي سبق وذكرها الرئيس جوزاف عون في مقابلته الأخيرة، ملمحًا إلى تجربة "جزين أولًا" السابقة من دون أن يسميها، لتكون نموذجًا عن الحياد على حدود النار.