نشرت صحيفة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية تقريراً اعتبرت فيه أن الوضع الأمني على الجبهة الشمالية يضع إسرائيل اليوم أمام مفترق طرق استراتيجي قد يكون الأهم منذ انسحاب الجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000، وذلك على أمل تحقيق واقع أمني مختلف وأكثر هدوءاً وأماناً.
التقرير الذي ترجمهُ
"لبنان24" يقول إن الاتفاق الذي يتبلور بين
واشنطن وطهران، إلى جانب وقف إطلاق النار المتوقع في لبنان، قد يفرضان على إسرائيل واقعاً جديداً يتطلب اتخاذ قرارات استراتيجية في ظل قيود متزايدة على حرية عملها العسكري، فيما لا تزال قواتها منتشرة داخل الأراضي
اللبنانية.
وأشار التقرير إلى أن السؤال الأساسي يتمحور حول ما إذا كانت التطورات الحالية تمثل تحولاً استراتيجياً تاريخياً على الحدود اللبنانية، أم أنها مجرد محطة مؤقتة تسبق جولة جديدة من المواجهة، وذلك بعد أكثر من عامين ونصف العام من الحرب التي تكبد خلالها سكان شمال إسرائيل أثماناً باهظة، بينما نجح الجيش الإسرائيلي، وفق التقرير، في إبعاد "
حزب الله" عن الحدود وإيصاله إلى أضعف مراحله منذ تأسيسه.
ولفت التقرير إلى وجود سيناريوهين رئيسيين أمام إسرائيل، الأول، وهو السيناريو المتفائل، يقوم على عدم انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان والحفاظ على حرية عملها الكاملة، بالتوازي مع التوصل إلى تسوية سياسية مع لبنان تؤدي إلى إبعاد "حزب الله" عن الجنوب، وتقليص النفوذ
الإيراني، وانتشار
الجيش اللبناني في المنطقة، على أن يكون أي انسحاب إسرائيلي تدريجياً ومشروطاً بنزع السلاح الكامل من جنوب لبنان.
أما السيناريو الثاني، الذي وصفه التقرير بالمتشائم، فيتمثل بإعلان وقف لإطلاق النار يتبعه انسحاب إسرائيلي سريع من المناطق التي سيطرت عليها، مع نقل المسؤولية شكلياً إلى الجيش اللبناني وقوات "اليونيفيل"، ما يسمح تدريجياً بعودة الأوضاع إلى ما كانت عليه سابقاً، وإعادة تدفق الموارد
الإيرانية، وتمكين "حزب الله" من استعادة قدراته العسكرية.
ورأى التقرير أن المؤشرات الحالية تثير القلق، إذ ينجح كل من
إيران و"حزب الله" في ربط الساحتين الإيرانية واللبنانية، في وقت تواجه فيه إسرائيل قيوداً متزايدة على حرية تحركها، بينما تبدو الدولة اللبنانية، وفق الصحيفة، غير قادرة على منع إعادة بناء ما وصفه بـ"المحور الشيعي".
وحذر التقرير من أن الفشل لا يعني فقط عودة "حزب الله" إلى التعاظم، بل قد يؤدي أيضاً إلى إعادة تشكيل البنية العسكرية نفسها التي انطلقت منها سابقاً خطط السيطرة على الجليل، ما قد يوقع إسرائيل مجدداً في ما وصفه بـ"العمى الاستراتيجي"، حيث يتحقق الهدوء الحدودي مقابل نشوء تهديدات أكبر على المدى البعيد.
وشدد التقرير على أن الهدف الاستراتيجي بعيد المدى لإسرائيل يجب أن يتمثل في تفكيك الجناح العسكري لـ"حزب الله"، معتبراً أن أي اتفاق أو تسوية يجب أن يُقاس بمدى مساهمته في تحقيق هذا الهدف أو في المقابل تمكين الحزب من إعادة بناء قوته.
وفي هذا السياق، دعا التقرير إلى الالتزام بعدد من المبادئ، أبرزها عدم التسرع في الانسحاب من المناطق التي سيطر عليها الجيش الإسرائيلي، والإبقاء على حرية العمل العسكري في مختلف أنحاء لبنان بما فيها
بيروت، ومواصلة الجهود الرامية إلى إضعاف العلاقة بين إيران و"حزب الله"، إلى جانب الاستمرار في الاتصالات السياسية مع الحكومة اللبنانية والقوى التي وصفها بالمعتدلة سعياً إلى تسوية طويلة الأمد.
كذلك، شدد على ضرورة التخلي عن مفهوم الدفاع الحدودي القائم على الجدران والتحصينات فقط، معتبراً أن القوات العسكرية يجب أن تشكل خط الدفاع الأساسي بين التهديدات المحتملة وسكان شمال إسرائيل.
وختم التقرير بالقول إن الحرب أوجدت فرصة نادرة لإحداث تغيير جوهري في الواقع الأمني على الحدود الشمالية بعد الضربات التي تلقاها "حزب الله"، لكنه حذر من أن التسرع في الانسحاب أو الاعتماد على آليات أثبتت فشلها سابقاً قد يؤدي إلى عودة التهديدات نفسها خلال سنوات قليلة، في حين أن الجمع بين الجهدين العسكري والسياسي والتصرف برؤية طويلة المدى قد يتيح لإسرائيل، للمرة الأولى منذ عقود، إرساء أسس تغيير جذري في الواقع الأمني على الحدود مع لبنان.