على عتبة مراسم التوقيع الرسمية المقررة في سويسرا، يوم الجمعة، تبرز التسريبات المتداولة حول نص التفاهم الأميركي - الإيراني كوثيقة متعددة الأوجه، تتقاطع فيها المصالح وتتضارب القراءات.
وتشير التسريبات إلى أن
لبنان يحضر في صلب التفاهم الإيراني - الأميركي. فبحسب النص الذي نشرته "العربية English"، يظهر لبنان بوضوح في البند الأول كجزء من جبهات وقف الحرب الفوري والدائم، حيث يتعهد الحلفاء برفع يد العداء والامتناع عن استخدام القوة. إلا أن التصريحات الأميركية الرسمية لا تتعامل مع لبنان كجزء من الاتفاق. ويعزز هذا الاتجاه ما كان قد أعلنه الرئيس الأميركي
دونالد ترامب في 8 نيسان الماضي، في "الأربعاء الأسود" على لبنان، حين قال لشبكة "PBS" إن الاتفاق لا يشمل لبنان بسبب عدم انخراط
حزب الله فيه، معتبراً أن الضربات
الإسرائيلية المستمرة تشكل مواجهة منفصلة تحظى بتفهم واشنطن.
وتعكس هذه المفارقة براغماتية أميركية واضحة؛ إذ تشير الرواية
الإيرانية إلى أن الإدارة الأميركية وافقت على إدراج بند الجبهات الشاملة في النص لإرضاء شروط طهران وتأمين مكاسب مباشرة، من بينها فتح مضيق هرمز وضمان حرية تدفق النفط.
على المقلب الآخر، تخوض طهران معركة تثبيت الصياغة المكتوبة، وتتمسك بالنص كشرط أساسي لإنجاح التفاهم. وقد عبّرت الخارجية الإيرانية، عبر المتحدث باسمها إسماعيل بقائي والوزير عباس عراقجي، عن هذا التوجه بالتشديد على أن إنهاء الحرب في لبنان واحترام سيادته يشكلان بنداً أساسياً غير قابل للتعديل في مذكرة التفاهم المؤقتة. ويبدو أن طهران تسعى إلى تسويق الاتفاق باعتباره شبكة أمان لمحورها الإقليمي، ومنع واشنطن وتل أبيب من التعامل مع الجبهة
اللبنانية وحزب الله كملف منفصل بعد تهدئة الجبهات الأخرى، ما يجعل مدى التزام
الولايات المتحدة بهذا البند موضع مراقبة إيرانية خلال المرحلة التفاوضية المقبلة.
وانعكس هذا الغموض الإقليمي على الداخل اللبناني، حيث تباينت المقاربات بين القوى السياسية والرسمية والحليفة. ففي حين سارع كل من
رئيس مجلس النواب نبيه بري والأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم إلى الترحيب بالاتفاق والإشادة بإدراج بند ملزم لوقف العدوان
الإسرائيلي، التزم الرئيسان عون وسلام موقفاً شديد الحذر. وبحسب مصادر "لبنان٢٤"، يرتبط هذا الحذر برغبة الدولة اللبنانية في فصل مسارها عن
إيران وعدم استخدام لبنان كورقة تفاوضية على طاولة الخارج، ولا سيما أنها تخوض مفاوضات مع
إسرائيل تركز على وقف إطلاق النار الشامل والانسحاب الإسرائيلي الكامل.
وتكتمل دائرة التناقض مع الموقف الإسرائيلي الرافض عملياً للبند الأول من الاتفاق، إذ أعلن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أن تل أبيب غير ملزمة بوقف العمليات في لبنان، فيما أكد
وزير الدفاع يسرائيل كاتس أن الجيش لن ينسحب من المناطق العازلة في الجنوب. وبذلك، يبدو المشهد وكأنه أمام اتفاقين متوازيين: اتفاق سيُوقّع في سويسرا يفترض تهدئة الجبهات بضغط إيراني، واتفاق غير معلن يمنح إسرائيل هامشاً ميدانياً برعاية أميركية. وهو ما يجعل الأيام المقبلة ومراسم التوقيع المرتقبة الاختبار الحقيقي لمعرفة ما إذا كان النص سيفرض نفسه على الأرض، أم أن الجبهة اللبنانية ستبقى خاضعة لحسابات منفصلة عن الاتفاق.
ويبقى كل ما يُتداول حول هذا التفاهم الأميركي - الإيراني، وموقع لبنان فيه، ضمن إطار التسريبات والقراءات السياسية المتضاربة، ما دام النص الرسمي لم يُعلن بعد. فالتباين بين الرواية الأميركية، والتمسك الإيراني، والتصعيد الإسرائيلي، يعكس محاولة كل طرف فرض تفسيره الخاص للاتفاق وحدود تطبيقه.