في وقت تنصب فيه الأنظار على الملفات الأمنية والعسكرية المرتبطة بالحدود الجنوبية للبنان، برزت مقاربة مختلفة طرحها الخبير الجيولوجي طوني نمر، تربط بين النشاطات العسكرية تحت الأرض ومخاطر الهزات الزلزالية في منطقة تعد من أكثر مناطق شرق المتوسط حساسية من الناحية الجيولوجية.
وجاء طرح نمر على خلفية الهزة الأرضية التي سجلت في
فنزويلا ليل أمس، واستذكاراً للزلزال المدمر الذي ضرب
تركيا وسوريا في السادس من شباط عام 2023، وأودى بحياة عشرات الآلاف من الأشخاص. ويرى أن هذين الحدثين يعيدان التأكيد على حقيقة علمية مفادها أن الهزات الأرضية لا تعمل بمعزل عن بعضها البعض، بل يمكن أن تؤدي إلى إعادة توزيع الضغوط داخل القشرة الأرضية واستحثاث نشاط فوالق زلزالية أخرى، بغض النظر عن قوة الهزة الأصلية.
وبحسب نمر، فإن هذا الواقع يفرض مقاربة أكثر حذراً تجاه العمليات العسكرية التي تستهدف الأنفاق والمنشآت تحت الأرض في
جنوب لبنان. فعمليات التفجير والحفر العميق وتغيير البنية الجيولوجية المحلية قد تؤدي إلى ارتجاجات وضغوط إضافية في مناطق تقع أصلاً بالقرب من فوالق نشطة، ما يستدعي دراسة تداعياتها بدقة من منظور علمي وليس فقط من زاوية عسكرية.
ويشير خبراء جيولوجيون إلى أن العلاقة بين الأنشطة البشرية والنشاط الزلزالي أصبحت موضع دراسة متزايدة في العديد من دول العالم، حيث تم رصد حالات ارتبطت فيها بعض العمليات الهندسية الكبرى أو أعمال الحفر العميق أو التفجيرات بتسجيل هزات أرضية محدودة أو بتحفيز فوالق كانت تعيش حالة من الاستقرار النسبي.
ومن هذا المنطلق، يدعو نمر إلى أن يشكل التوقف عن تدمير الأنفاق العسكرية في الجنوب أحد البنود المطروحة في المفاوضات الجارية بين
لبنان وإسرائيل، ليس فقط لأسباب أمنية أو سياسية، بل أيضاً انطلاقاً من مصلحة مشتركة تتعلق بالسلامة الجيولوجية للمنطقة. فالفوالق الزلزالية لا تعترف بالحدود السياسية، وأي نشاط قد يؤدي إلى زيادة احتمالات الهزات الأرضية ستكون تداعياته مشتركة على جانبي الحدود.
ورغم أن الربط المباشر بين عمليات تدمير الأنفاق وحدوث زلازل كبيرة يحتاج إلى دراسات علمية متخصصة وإثباتات ميدانية دقيقة، إلا أن طرح هذه المسألة يسلط الضوء على بعد غالباً ما يبقى خارج النقاشات السياسية والعسكرية، وهو البعد الجيولوجي للمواجهة الدائرة في الجنوب.
وفي ظل استمرار النشاط الزلزالي في شرق المتوسط، تبقى الدعوات إلى مراعاة الاعتبارات العلمية والبيئية عند اتخاذ القرارات العسكرية الكبرى جزءاً من نقاش أوسع حول كيفية الحد من المخاطر الطبيعية والإنسانية في منطقة تعيش أصلاً على وقع أزمات متشابكة أمنياً وسياسياً واقتصادياً.