كتب زياد سامي عيتاني في" اللواء": لم تعد الترتيبات الأمنية الجارية في جنوب
لبنان مجرد مسودات تفاوضية في أروقة الفنادق؛ إذ دخلت البلاد رسمياً مرحلة «الهندسة السياسية والأمنية الشاملة» غداة التوقيع في
واشنطن يوم الجمعة 26 حزيران الجاري على «اتفاق الإطار الثلاثي» بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة.
ورغم التوقيع، فرضت «شياطين الميدان» ظلالها في كواليس الساعات الأخيرة عبر ثلاث نقاط خلافية حادّة؛ أولاها «عقدة تلال علي الطاهر» حيث رفض الوفد اللبناني بحسم طلباً إسرائيلياً بدخول الجيش إلى هذه تلال الواقعة شمال الليطاني قبل إتمام الانسحاب
الإسرائيلي الكامل من الجنوب.
الثاني تمثل في «ملف الأنفاق» حيث تفيد مصادر استخباراتية بأن الطرفين توصلا إلى آليات فنية خاصة بـ«التعامل مع أنفاق حزب الله»، يقضي بموجبها الملحق السري بآلية «التفكيك الصامت» عبر وحدات الهندسة في الجيش اللبناني، وضخ الخرسانة المسلحة فيها ومصادرة محتوياتها دون إثارة إعلامية تجنباً للمواجهة المباشرة. وثالث تلك النقاط كان «شرط نتنياهو» الذي أعلنه في بيان مصور بعد ساعات من التوقيع مؤكداً أن «الجيش سيبقى في المنطقة الأمنية طالما لم يقم
حزب الله بنزع سلاحه»، واصفاً الاتفاق بأنه «إنجاز تاريخي».
توضح الوثائق التنفيذية المرتبطة بالاتفاق أن الانسحاب الإسرائيلي وتقدم الجيش اللبناني لا يتمان دفعة واحدة، بل يرتكزان على صيغة جغرافية تُعرف بـ «المناطق التجريبية» (Pilot Zones)، حيث ينطلق التنفيذ من منطقتين تجريبيتين ثم يتوسع بالتوافق المتبادل بناءً على تقارير «لجنة الرصد الدولية» برئاسة واشنطن وعضوية فرنسا، والتي مُنحت صلاحيات تفتيش فورية تُلزم الجيش اللبناني بالتحرك خلال ساعات محددة بناءً على أي إحداثيات استخباراتية لمنع إعادة التسليح.
برز معطى دبلوماسي موازٍ يقوده «الرباعي الإقليمي» (السعودية، قطر، مصر، تركيا) لمعالجة المعضلة الأكبر وهي سلاح حزب الله وبنيته شمال نهر الليطاني وحتى نهر الأولي، وهي المنطقة الجغرافية التي لا يشملها الاتفاق الثلاثي.
ويتحرك هذا الرباعي عبر قناتين متوازيتين؛ الأولى هي التنسيق المباشر مع
رئيس مجلس النواب نبيه بري، الوسيط التقليدي بين الدولة وحزب الله، فيما تشير المعطيات إلى أن قيادة الحزب ليست بمعزل عن هذا المسار الهادئ. والقناة الثانية تتمثل في قيادة
المملكة العربية السعودية لحراك تأسيس صندوق ائتماني دولي لدعم الجيش، مع ربط تدفقات إعادة الإعمار بمدى نجاح الدولة في فرض الشرعية الحصرية للسلاح، وهو مسار حظي بغطاء فرنسي صريح من الرئيس إيمانويل ماكرون الذي أشاد علناً بدور الرياض والدوحة في هذا الصدد.
إن «اتفاق الإطار لعام 2026» يعكس هندسة دولية وإقليمية متكاملة لتوزيع الأدوار؛ حيث تتولى واشنطن صياغة الاتفاق والرعاية العسكرية والتمويل، ويقود الرباعي العربي الدبلوماسية الهادئة لشمال الليطاني، بينما يوفر التحالف الفرنسي الإيطالي القوة البديلة، وتؤمّن باكستان الحماية التكنولوجية لتمكين الجيش اللبناني باعتباره الضامن الشرعي الوحيد على الأرض. ومع ذلك، تبقى هذه المنظومة محكومة بمتغيّر واحد بالغ الحساسية: هل سيجد حزب الله مخرجاً للتموضع الصامت في هذا المشهد الجديد عبر بوابة المصالح الداخلية، أم أن إصراره على اعتبار الاتفاق «منعدم الوجود» سيضعه في مواجهة مباشرة ومستمرة مع الدولة والشرعية الدولية؟