تصفّح بدون إعلانات واقرأ المقالات الحصرية
|
Advertisement

لبنان

110 اعوام على ولادة زكي ناصيف… لبنان الذي لا يغيب عن الأغنية

نايلا عازار - Nayla Azar

|
Lebanon 24
05-07-2026 | 01:45
A-
A+
110 اعوام على ولادة زكي ناصيف… لبنان الذي لا يغيب عن الأغنية
110 اعوام على ولادة زكي ناصيف… لبنان الذي لا يغيب عن الأغنية photos 0
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
A+
A-
لم يكن الاحتفال الذي احتضنه مدرج زوق مكايل مساء أمس بمناسبة مرور 110 أعوام على ولادة الفنان الراحل زكي ناصيف مجرد أمسية تكريمية في روزنامة المناسبات الثقافية، بل بدا وكأنه استعادة حيّة لذاكرة وطن كامل، ووقفة وفاء لفنان استطاع أن يحوّل الأغنية اللبنانية إلى مرآة للهوية، وأن يجعل من اللحن والكلمة وثيقة انتماء ما زالت تتردد في وجدان اللبنانيين حتى اليوم.
Advertisement
 
وجاء الحفل الذي حضرته السيدة الأولى نعمت عون إلى جانب عدد من الشخصيات السياسية والثقافية والفنية والاجتماعية، يؤكد أن الإرث الفني لزكي ناصيف ما زال يشكل مساحة التقاء نادرة في المشهد اللبناني، حيث تتقاطع الذاكرة الثقافية مع الحاجة المستمرة إلى الرموز الجامعة في زمن الانقسام والتحديات.
 
ولم يأتِ هذا الحدث من فراغ، بل حمل بعداً أكاديمياً وثقافياً واضحاً، إذ نُظّم بمبادرة من جوقة فيلوكاليا بالتعاون مع برنامج زكي ناصيف في الجامعة الأميركية في بيروت، وبمشاركة فرقة برجا للفنون الشعبية. هذا التلاقي بين مؤسسة أكاديمية وجوقة موسيقية وفرقة فلكلورية عكس حرصاً على تقديم صورة متكاملة عن المدرسة الفنية التي أرساها زكي ناصيف، والتي جمعت بين الأصالة والتجديد، وبين الموسيقى العلمية والروح الشعبية اللبنانية.
 
وشكّلت الأمسية تكريماً لمسيرة فنية استثنائية ترك خلالها ناصيف عشرات الأعمال التي لحّنها وغنّاها بنفسه أو قدّمها لكبار الفنانين اللبنانيين والعرب، لتتحول مع الزمن إلى جزء من الذاكرة الفنية الوطنية. فمن خلال أعماله، رسّخ صورة لبنان الجبل والقرية والمواسم والإنسان، وجعل من الأغنية اللبنانية سفيراً دائماً للهوية الثقافية في العالم العربي.
 
ولم يكن زكي ناصيف مجرد ملحن أو مؤلف موسيقي، بل أحد أبرز صانعي الهوية الموسيقية اللبنانية الحديثة. ففي زمن كانت الأغنية العربية تتجه نحو قوالب أكثر تجريداً، اختار أن ينطلق من الفولكلور اللبناني، يعيد صياغته بلغة موسيقية راقية، فحوّل الدبكة إلى فن مسرحي، والمشهد الريفي إلى سردية موسيقية متكاملة، وجعل من الإنسان اللبناني محوراً دائماً في أعماله.
 
وفي أغنياته، لم يكن الوطن شعاراً عابراً، بل حالة وجدانية كاملة. حين قدّم “مهما يتجرح بلدنا”، لم يكن يرثي لبنان بل كان يؤكد قدرته على النهوض. وفي “بلدي حبيبي” و“اشتقنا ع لبنان” و“راجع يتعمر لبنان”، لم يكن يصف مكاناً جغرافياً، بل كان يعيد تشكيل صورة وطن يُحمل في الذاكرة والحنين قبل أن يُعاش في الواقع. لذلك بقيت أعماله تتجاوز زمنها، لأنها انشغلت بالإنسان اللبناني وعلاقته بالأرض والكرامة والجمال.
ففي كل مرحلة مفصلية عاشها لبنان، كانت هذه الأغنيات تعود إلى الواجهة، لا بوصفها تراثاً فنياً فقط، بل باعتبارها خطاباً وجدانياً يعيد صياغة العلاقة بين اللبناني وأرضه. وهنا تحديداً تكمن قوة إرث زكي ناصيف: قدرته على تحويل اللحظة الوطنية إلى حالة فنية مستمرة، تتجاوز الزمن السياسي وتبقى حاضرة في الذاكرة الجمعية.
 
ولعل أكثر ما يميز هذا الإرث أنه بقي خارج الاصطفافات السياسية، محافظاً على طابعه الجامع، ما جعله حاضراً في المدارس والمهرجانات والاحتفالات الوطنية كجزء من الذاكرة المشتركة، لا كنتاج مرحلة أو ظرف.
 
وجاء اختيار مدرج زوق مكايل لإحياء هذه المناسبة ليحمل بدوره رمزية خاصة، إذ أعاد الاعتبار لأحد أبرز الفضاءات الثقافية اللبنانية، في مشهد امتزجت فيه الموسيقى بالحنين، واستعاد الجمهور من خلاله صورة لبنان الذي لطالما حلم به زكي ناصيف: لبنان الثقافة، والقرية، والإنسان، والفرح، والقدرة على النهوض مهما اشتدت المحن.
 
بعد 110 أعوام على ولادته، لا يبدو زكي ناصيف مجرد اسم في أرشيف الموسيقى اللبنانية، بل أحد أعمدة الهوية الثقافية الوطنية. فالأجيال تتغير والظروف تتبدل، لكن أغنياته ما زالت قادرة على جمع اللبنانيين حول معنى واحد: أن الوطن يمكن أن يُبنى بالكلمة كما يُبنى بالحجر، وأن الفن الصادق قد يتحول إلى ذاكرة شعب بأكمله، لا تفقد حضورها مهما طال الزمن.
 
مواضيع ذات صلة
تابع
Advertisement

أخبارنا عبر بريدك الالكتروني

إشترك

نايلا عازار - Nayla Azar