كان كلُّ شيءٍ في الضاحية الجنوبية لبيروت يشي بالرماد، إلا قلبها.
قبل أشهر، وقفت مريم البسام فوق ركام بيتها، تلملم ما تبقّى من حبات العمر وصور الذاكرة. لم تستسلم؛ جمعت العزيمة حجرًا فوق حجر، وأعادت ترميم الجدران لتصنع ملاذًا يقي عائلتها قساوة النزوح وألم الغربة داخل الوطن.
ظنّت أن البيت عاد ليتنفس، لكن غدر المقاتلات كان أسرع، فَهَوت الضربة الهالكة ليتداعى المبنى كله، ويتحول شقا العمر، في لحظةٍ واحدة، إلى غبارٍ يملأ الأفق.
في تلك الدقيقة القيامية، انهار كل شيء مادي.
أما ابنتها ياسمينا
فضل الله فطلت تخوض معركة بقاء من نوع آخر.
ياسمينا، التي تجرعت مع أهلها مرارات التهجير وملاحقة الموت من مكان إلى آخر، كانت تقبض على قلمها كحبل النجاة الوحيد وسط
العاصفة.
وفي اللحظة التي سقطت فيها الجدران، انبعث من ركامها صرحٌ من الكبرياء؛ إذ أعلنت
الجامعة الأميركية في بيروت إدراج اسم "ياسمينا
حسن فضل الله"، الطالبة في اختصاص العلوم السياسية، على لائحة الشرف للفصل الدراسي الربيعي، متوّجةً صمودها الأكاديمي الاستثنائي.
خرجت ياسمينا إلى العالم رافعة جبينها عاليًا وتقول:
"ما قد يبدو إنجازاً بسيطاً، جاء نتاج واحد من أصعب الفصول الدراسية في حياتي. إن التركيز على التحصيل الأكاديمي في خضم الحرب والنزوح هو أمر لا ينبغي لأي طالب أن يواجهه. تعني لي هذه الشهادة ما هو أبعد من مجرد تقدير أكاديمي؛ إنها دليل على أنه حتى في وسط الفوضى، يمكننا التمسك بالغاية والهدف."
هو نداء صادق، تلاقى مع صدى أمومةٍ مجروحة بالدهر، شامخة بالكرامة. لم تجد الأم، مريم البسام، أبلغ من حروفها المقطرة بالوجع لتختصر هذه الملحمة، فكتبت:
"رغم القهر.. رغم الدهر.. والحرب والنزوح.. يتفتّح الياسمين.. على أوراق جامعية. مبروك ياسمينة.. جنى العمر".
نعم، سقط الحجر، ونبت الفكر، وتحول البيت إلى رماد، لكن الياسمين تفتّح رغماً عن عين القاتل، وبقي عطر النجاح عصيّا على الانكسار.