كتب ابراهيم الامين في" الاخبار": لا توحي المؤشرات الكبرى بأن
الأميركيين يريدون استئناف الحرب في المدى المنظور، بل تعكس سعياً إلى إنتاج صيغة تسوية تتيح لواشنطن الإمساك بموقع الآمر في كل الملفات السياسية والاقتصادية والأمنية في المنطقة. غير أن هذه الصيغة تستلزم تعديلات، تتعلّق أولاً بموقع
إسرائيل على طاولة القرار الأميركي. وإذا كان الجدل يتصاعد حول دور «آخر ملوك إسرائيل»، بنيامين نتنياهو، فإن ذلك لا يعني تراجع مكانة إسرائيل في الحسابات الأميركية، بقدر ما يعكس نقاشاً متنامياً داخل واشنطن حول ضرورة الفصل بين مصالح نتنياهو الشخصية والمصالح الاستراتيجية للكيان. ومن المُتوقّع أن يزداد هذا النقاش حدّة مع اقتراب انتخابات كيان العدو. وإذا رأت الإدارة الأميركية فرصة للتخلّص من نتنياهو، فلن تقف في وجهها، وربما تسهّل وصول بديل عنه. لكنّ الهدف ليس تغيير الاستراتيجية
الإسرائيلية في المنطقة، بل تعديل أسلوب إدارتها وآليات عملها، بما يسمح بالانخراط في تسويات تعتبرها واشنطن ضرورية لإعادة ترتيب الأوراق وتنظيم الصفوف.
تدرك واشنطن أن العودة إلى الحرب مع
إيران بالأدوات نفسها التي استُخدمت في الجولة الأخيرة لن تحقّق نتائج تتجاوز ما تحقّق، مهما ارتفع مستوى القوة العسكرية المُستخدمة. بل إن أصواتاً داخل المؤسسات الأميركية تحذّر من أن أي مواجهة جديدة قد تفرض أثماناً تفوق قدرة
الولايات المتحدة على تحمّلها إذا تكرّرت الإخفاقات نفسها، وهو ما يجعل واشنطن تفكّر بالأمر بأساليب مختلفة، أقرب إلى فكرة «عقود الباطن» بما يوفّر لها الخدمة المطلوبة، مقابل أثمان تختلف عمّا تتقاضاه إسرائيل للقيام بدور الشرطي القذر في المنطقة.
وبحسب ما رشح من اتصالات أميركية - تركية - سورية - سعودية بشأن
لبنان، يتبيّن أن واشنطن باتت تفضّل حلاً في لبنان تتولاه جهة قادرة على فرض الوقائع، وهي لا تجد، في الوقت الراهن، أفضل من تركيا، سواء عبر دور مباشر أو من خلال النظام السوري الجديد. وفي المقابل، لا ترغب في إقصاء
السعودية عن المشهد اللبناني، لكنها تدرك أن اتّساع الدور التركي سيأتي حتماً على حساب مساحة النفوذ السعودي في لبنان وكل بلاد الشام. وهو ما يفسّر جانباً من التناقض الذي رافق زيارة
وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى
بيروت، إذ كشفت اختلافاً في ترجمة الرياض وأنقرة لما قصده ترامب بشأن لبنان.
لا يبدو منطقياً توقّع أي تبدّل جوهري في موقف نتنياهو من الحرب مع إيران. فهو، ومعه المؤسستان العسكرية والأمنية، سيواصلون العمل على إقناع الولايات المتحدة والعواصم الغربية بضرورة العودة إلى «حرب كبيرة ومفتوحة ومن دون سقوف»، لإسقاط النظام الإيراني، وتدمير سلسلة المقاومة الممتدّة من طهران حتى غزة.
تتعامل إسرائيل مع وقف إطلاق النار، سواء على الجبهة
الإيرانية أو
اللبنانية، باعتباره قيداً يحدّ من استراتيجيتها. وهي تريد استئناف الحرب الواسعة في أسرع وقت، وتضغط لاستعادة التوافق مع واشنطن على خيار المواجهة الشاملة، بما يشمل استهداف إيران مجدّداً، وتوسيع عمليات الاحتلال والقتل في لبنان. وإلى جانب ذلك، ورغم أنها لا تعلن الأمر صراحة، تبدو إسرائيل ماضية أيضاً في إعداد الأرضية لتوسيع نطاق احتلالها داخل الجنوب السوري.