إيقاع التصعيد الذي طبع خطاب الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم لم يكن مفاجئاً في ظل المناخ الإقليمي المتوتر، لكنه حمل رسائل سياسية داخلية لا تقل أهمية عن مواقفه المرتبطة بالملفات الخارجية.
فالكلمة جاءت في لحظة تتداخل فيها الضغوط الدولية مع الاستحقاقات
اللبنانية، ما جعلها تبدو بمثابة رسم واضح لسقف الحزب في المرحلة المقبلة، وإعلاناً بأن أي محاولة لفرض وقائع جديدة لن تمر من دون مواجهة سياسية، وربما ما هو أبعد من ذلك إذا اقتضت الظروف.
وفي الوقت الذي يواصل فيه
رئيس مجلس النواب نبيه بري اعتماد خطاب أكثر هدوءاً، يقوم على محاولة تخفيف حدة الاحتقان الداخلي مع تمسكه برفض التفاوض المباشر ورفض اتفاق الإطار بصيغته المطروحة، بدا أن قاسم اختار الذهاب إلى مستوى أعلى من التصعيد. فالرسائل التي وجهها لم تترك مساحة كبيرة للتأويل، بل عكست اقتناعاً داخل الحزب بأن مرحلة تقديم التنازلات قد انتهت، وأن الضغوط القائمة لن تدفعه إلى تعديل مواقفه أو تغيير حساباته.
وكان أبرز ما حمله الخطاب تأكيد قاسم هو الايحاء بان
حزب الله لن يقدم أي تنازل إضافي، وأن أي بند من بنود اتفاق الإطار لن يجد طريقه إلى التنفيذ. وهذا الموقف لا يقتصر على كونه رفضاً سياسياً، بل يشكل تحدياً مباشراً للسلطة اللبنانية التي تجد نفسها أمام معادلة شديدة التعقيد بين الضغوط الخارجية، ومتطلبات الحفاظ على الاستقرار الداخلي، والعلاقة مع الحزب. فتنفيذ أي
التزام مرتبط بهذا الاتفاق سيصطدم، وفق هذا الموقف، برفض واضح لا يبدو أنه قابل للمراجعة في المدى المنظور.
لكن الرسالة الأكثر حساسية جاءت عندما شدد قاسم على أن الحزب لن يسمح لأي جهة بأن تعتدي عليه أو تستهدفه. وهذه العبارة تحمل دلالات تتجاوز بعدها الإعلامي، لأنها توحي بأن رفض الحزب للفتنة الداخلية أو لأي اشتباك داخلي ليس موقفاً مطلقاً أو غير قابل للتبدل، بل يبقى مرتبطاً بالظروف الميدانية والسياسية. بمعنى آخر، فإن الحزب يعتبر أن ضبط النفس لا يعني التخلي عن خيار الرد إذا شعر بأن هناك محاولة لتغيير موازين القوى أو فرض أمر واقع يمسه بشكل مباشر.
وفي هذا السياق، يبدو أن مسار التصعيد السياسي بدأ يعيد رسم مجموعة من الخطوط الحمراء أمام مختلف القوى اللبنانية، سواء داخل السلطة أو خارجها. فالحزب يسعى إلى توجيه رسالة واضحة مفادها أن المرحلة الحالية لا تحتمل خطوات أحادية أو رهانات على تبدل موازين القوى نتيجة الضغوط الدولية، وأن أي قرار يتعلق بسلاحه أو موقعه السياسي لا يمكن أن يفرض عليه من الخارج أو عبر المؤسسات الرسمية وحدها.
وتتزامن هذه الرسائل مع قراءة داخل حزب الله تعتبر أن رئيس الجمهورية
جوزيف عون لا يزال يفضل سياسة الاحتواء وامتصاص الغضب قبل الانتقال إلى أي خطوة جديدة في الملفات الخلافية. وهذا لا يلغي احتمال أن تدخل البلاد لاحقاً في مرحلة أكثر تعقيداً إذا استمرت الضغوط الخارجية أو تصاعدت المطالب المرتبطة بملفات السلاح والترتيبات الأمنية. لذلك، يبدو أن خطاب قاسم جاء ليحدد بوضوح حدود الحركة السياسية، وليؤكد أن الحزب ينظر إلى المرحلة المقبلة باعتبارها مرحلة تثبيت موازين القوى أكثر من كونها مرحلة تقديم تنازلات أو الدخول في تسويات جديدة.