ترأست وزيرة التربية ريما كرامي ورشة عمل في المركز
التربوي للبحوث والإنماء بحضور ممثلين عن اليونسكو والجامعات والجمعيات، وأكدت أن الاستراتيجية الوطنية للتربية من أجل التماسك الاجتماعي "ليست مشروعاً جديداً يضاف إلى القائم، بل إطار وطني يجمع الجهود ويوجهها نحو رؤية واحدة".
وقالت كرامي: "يسعدني أن ألتقي بكم اليوم في ورشة عمل لا نطلق فيها مجرد استراتيجية جديدة، بل نطلق أيضًا رؤيةً لطريقة جديدة في العمل معًا. ففي بلد مثل
لبنان، لا يأتي الحديث عن التماسك الاجتماعي من باب التنظير، ولا بوصفه ترفًا فكريًا. إنه ضرورة وطنية فرضتها سنوات طويلة من الأزمات والحروب والانقسامات، وما خلّفته من آثار لم تقتصر على البنى التحتية والاقتصاد، بل امتدت إلى ما هو أخطر: الثقة. الثقة بين الناس، والثقة بالمؤسسات، والثقة بأن
المستقبل يمكن أن يكون أفضل من الحاضر. وفي مثل هذه الظروف، تصبح التربية أكثر من قطاع يقدم خدمة عامة. تصبح إحدى الركائز الأساسية لإعادة بناء المجتمع. فالمدارس والجامعات ليست فقط أماكن للتعليم، بل من المؤسسات العامة القليلة التي ما تزال تجمع اللبنانيين يوميًا، على اختلاف مناطقهم وخلفياتهم وتجاربهم. وما يختبره أبناؤنا داخل هذه المؤسسات لا يقل أهمية عما يتعلمونه فيها".
أضافت:"من هنا، فإن الحديث عن التماسك الاجتماعي ليس حديثًا عن نشاط إضافي، ولا عن مشروع موازٍ للعمل التربوي، بل عن جزء أساسي من مشروعنا الإصلاحي لإعادة بناء التربية، وتعزيز دورها في إعادة بناء الدولة والمجتمع معًا. لقد شهد القطاع التربوي في لبنان، على مدى سنوات، مبادرات كثيرة ومهمة قادها شركاء محليون ودوليون، وأسهمت في معالجة تحديات ملحة وحققت نتائج تستحق التقدير. ونحن في الوزارة ننظر إلى هذه الجهود باعتزاز، لأنها تعكس التزامًا حقيقيًا تجاه أطفال لبنان وشبابه. لكننا تعلمنا أيضًا أن كثرة المبادرات، مهما بلغت جودتها، لا تكفي وحدها لبناء سياسة عامة. وأن تعدد المشاريع لا يؤدي تلقائيًا إلى بناء نظام أكثر تماسكًا. فحين يعمل كل طرف وفق أولوياته الخاصة، قد نحقق نجاحات متفرقة، لكننا لا نبني الأثر الوطني الذي نطمح إليه. من هنا، فإن رؤيتنا في
وزارة التربية والتعليم العالي تقوم على أن دور الدولة ليس أن تنفذ كل المبادرات بنفسها، ولا أن تحل محل شركائها، بل أن تقود الرؤية الوطنية، وأن تنسق الجهود، وأن توفر الإطار الذي يجعل مختلف المبادرات تتكامل بدل أن تتوازى، وتتراكم نحو هدف وطني مشترك. فالإصلاح لا يتحقق بإضافة مشاريع جديدة، بل ببناء منظومة قادرة على جمع أفضل ما لدى جميع الشركاء ضمن سياسة وطنية واحدة".
أضافت: "لهذا جاءت الاستراتيجية الوطنية للتربية من أجل التماسك الاجتماعي، فهي ليست مشروعًا جديدًا يضاف إلى المشاريع القائمة، وليست وثيقة تحفظ على الرفوف، بل هي إطار وطني يجمع تحت مظلته جهود الوزارة وشركائها، ويوجهها نحو رؤية واحدة، بحيث يصبح كل استثمار، وكل مبادرة، وكل نشاط، إسهاما في بناء مجتمع أكثر تماسكًا وثقة وقدرة على مواجهة الأزمات. وانطلاقًا من هذه الرؤية، ترتكز الاستراتيجية على ثلاثة أعمدة متكاملة: العمود الأول هو المنهج التربوي الرسمي. فالمنهج ليس مجرد مجموعة من المواد الدراسية، بل هو الإطار الذي يشكل شخصية الأجيال
القادمة. ولذلك نحرص على أن يحضر مفهوم التماسك الاجتماعي بصورة واضحة، ليس فقط في المحتوى التربوي، بل أيضًا في طرائق التعليم والتعلم، والأنشطة الصفية واللاصفية، والقيادة المدرسية، وثقافة المدرسة نفسها. الطالب لا يتعلم قيم المواطنة من خلال درس واحد، بل من خلال مدرسة يعيش فيها هذه القيم كل يوم؛ مدرسة تقوم على الاحترام، والحوار، والعدالة، والعمل الجماعي، بحيث يختبر التماسك الاجتماعي قبل أن يقرأ عنه في كتاب".
وقالت: " أما العمود الثاني فهو التعلم الممتد خارج الصفوف الدراسية. نحن نؤمن أن بناء المواطن لا يقتصر على ما يحدث داخل غرفة الصف، بل يمتد إلى كل تجربة يعيشها المتعلم في مجتمعه. يشمل ذلك، أولًا، البرامج التي تنفذها المنظمات غير الحكومية بالشراكة مع المدارس والأطفال واليافعين، وثانيًا، برامج خدمة المجتمع التي تنفذها الجامعات، انطلاقًا من إيماننا بأن الطالب الجامعي ليس متلقيًا للعلم فقط، بل شريكا في خدمة مجتمعه، وثالثًا، المبادرات والأنشطة التي تنظمها الوزارة وسائر المؤسسات الرسمية لتعزيز المواطنة والعمل التطوعي والحوار والانتماء الوطني".
تابعت: " أما العمود الثالث فهو الإعلام والتواصل والتوعية. ففي عالم اليوم، تتشكل المواقف والانطباعات بقدر كبير خارج المؤسسات التعليمية. ولهذا نعمل مع
وزارة الإعلام، وسائر المؤسسات الرسمية، وشركائنا، على تعزيز خطاب يرسخ ثقافة الحوار، ويواجه خطاب الكراهية والانقسام، ويبرز النماذج الإيجابية التي تؤكد أن اللبنانيين، على الرغم من كل التحديات، ما زالوا قادرين على العمل معًا عندما تتوفر الرؤية والإرادة".
وشددت على أن "نجاح هذه الاستراتيجية لن يتحقق بجهد الوزارة وحدها، كما أنه لن يتحقق من خلال أي منظمة أو جامعة أو مؤسسة بمفردها، بل سيتحقق عندما ننجح في تغيير الطريقة التي نعمل بها معًا".
وقالت:"نحن لا ندعوكم اليوم إلى الانضمام إلى مشروع تفرضه الوزارة، بل إلى الإسهام في مشروع وطني هو مشروعكم أيضًا. نريد أن تبقى مساحة المبادرة والابتكار التي تتميز بها مؤسساتكم، لكننا نريد أيضًا أن تلتقي هذه المبادرات داخل إطار وطني واحد متناغم مع تطلعات اللبنانيين كافة، حتى يتضاعف أثرها، وتتبادل خبراتها، وتتكامل أدوارها، ويصبح كل نجاح محلي إضافة إلى نجاح وطني. وهنا تكمن القيمة الحقيقية لهذه الاستراتيجية. فهي لا تسعى إلى توحيد المبادرات، بل إلى توحيد الاتجاه، ولا تهدف إلى الحد من التنوع، بل إلى توظيف هذا التنوع في خدمة رؤية وطنية مشتركة، ولا تستبدل دور الشركاء، بل تمنحهم مساحة أوسع للمبادرة والتأثير، وتضاعف أثر جهودهم من خلال التنسيق والتكامل".
تابعت:"لقد علمتنا الحروب والأزمات أن المجتمع الذي تتفرق جهوده يصبح أكثر هشاشة، وأن الدولة التي تنجح في جمع شركائها حول رؤية واحدة تصبح أكثر قدرة على حماية مواطنيها. واليوم، أمامنا فرصة لنثبت أن التربية تستطيع أن تكون مساحة يلتقي فيها كل اللبنانيين، وأن المدرسة والجامعة تستطيعان أن تكونا منطلقًا لإعادة بناء الثقة، لا بين الطلاب فقط، بل بين المجتمع والدولة أيضًا. فلنعمل معًا، لا كشركاء في تنفيذ أنشطة متفرقة، بل كشركاء في بناء سياسة وطنية، وفي صناعة مستقبل يستحقه أبناؤنا. ولنجعل من مدارسنا وجامعاتنا ومجتمعاتنا مساحات للثقة، والحوار، والكرامة، والانتماء، لأن التربية لا تغيّر مستقبل الأطفال فحسب بل تغيّر مستقبل الأوطان".
ختمت: "أشكر لكم حضوركم والتزامكم وضع مصلحة الطفل والإنسان والوطن فوق أي اعتبار. وأتطلع إلى أن تكون هذه الورشة بداية مرحلة جديدة من العمل المشترك، يكون فيها التماسك الاجتماعي مسؤولية نتقاسمها جميعًا، ورؤية نبنيها معًا، وإنجازًا نفتخر به جميعًا".
ثم تحدثت الخبيرة الدكتورة وديعة خوري، مؤكدة ان "التماسك الاجتماعي ليس هادفًا منعزلًا عن الأهداف الستة للوزارة بل مضافا اليها ، وسنعمل مع الشركاء والجمعيات على التنسيق والمواءمة مع الجمعيات ونوفر عناصر الاستدامة والاستمرارية مستفيدين من الدروس والعبر والتقييم لكل خطوة".
وتحدثت منسقة التماسك الاجتماعي في المركز التربوي الدكتورة بلانش أبي عساف عن هندسة التماسك الاجتماعي وبناء المواطنية التشاركية، معتبرة أن "الإطار الوطني اللبناني للمناهج يتخذ من الوحدة في التنوع غاية كبرى لصون المجتمع".
كذلك تحدثت منسقة حقل علم الاجتماع في المركز التربوي سيدة فرنسيس عن اختيار كفايتين في المناهج الجديدة تخدمان التماسك الاجتماعي عبر مواجهة المتغيرات واقتراح حلول عملية ليكون المتعلم فاعلا ومتفاعلا .
بعد ذلك توزع المشاركون على مجموعات عمل للتفكر الجماعي لتجميع الخبرات ووضع خطة مشتركة تسهم في تنفيذ رؤية الوزارة واستراتيجيتها في ما يخص التماسك الاجتماعي .