نشر موقع "arabnews" تقريراً جديداً رأى فيه أن مسار الانسحاب الإسرائيلي من لبنان لم يعد يُبحث عبر قناة واحدة، بل من خلال مسارين متوازيين؛ الأول تقوده واشنطن عبر الاتفاق الإطاري الثلاثي بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة، والثاني يجري في إسلام آباد ضمن المفاوضات الأميركية - الإيرانية، حيث تسعى طهران، وفق التقرير، إلى التفاوض بشأن الانسحاب الإسرائيلي نيابةً عن لبنان، بما يعكس صراعاً على الجهة التي ستحدد مستقبل الأمن اللبناني.
التقرير الذي نشرهُ
"لبنان24" لفت إلى أن الدولة
اللبنانية تجد نفسها أمام معادلة دقيقة تفرض عليها الموازنة بين القوى المحلية والإقليمية والدولية، في ظل قدرة محدودة على التصرف كدولة ذات سيادة كاملة، معتبراً أن هذا الواقع ليس جديداً، بل يعود إلى جذور النظام السياسي اللبناني منذ نشأته.
واستعاد التقرير رؤية
وزير الخارجية اللبناني الأسبق فيليب تقلا، واعتبر أن أسس السياسة اللبنانية تعود إلى عهد الأمير فخر الدين الثاني، عندما حصل جبل لبنان على وضع خاص داخل الدولة العثمانية، وأقام مجلساً جمع ممثلي الطوائف والمناطق المختلفة، إلى جانب بناء تحالفات مع القوى الأوروبية لضمان استمرار الإمارة.
وبحسب تقلا، فإن هذه المرحلة أرست معادلة سياسية قائمة على تحقيق التوازن بين الحكم الذاتي، والتوافق الداخلي بين الطوائف، والحماية الغربية.
إلى ذلك، يرى التقرير أن هذه المعادلة تكررت بعد أحداث عام 1860، عندما ضمنت القوى الأوروبية الحكم الذاتي لجبل لبنان، وأُنشئ مجلس يمثل مختلف المكونات للعمل على تحقيق التوافق السياسي.
وذكر أن مبدأ تقاسم السلطة انتقل لاحقاً إلى دستور عام 1926، بينما أصبحت المحافظة على الدعم الغربي أحد أعمدة السياسة الخارجية اللبنانية بعد الاستقلال.
واستشهد التقرير بأحداث عام 1958، حين تدخلت القوات الأميركية في
بيروت، قبل أن يُعاد التوازن الداخلي عبر لقاء الرئيس الراحل فؤاد شهاب مع الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر على الحدود
السورية.
واعتبر التقرير أن هذا النموذج تكرر مراراً، إذ كانت السلطة اللبنانية تعيد إنتاج التوافق الداخلي من خلال التسوية مع القوة الإقليمية المؤثرة في الداخل، مدعومةً بالحماية الغربية.
وذكر أن ذلك ظهر في اتفاق القاهرة عام 1969 مع منظمة التحرير الفلسطينية، ثم في اتفاق الطائف عام 1989 برعاية
سوريا، ولاحقاً في اتفاق الدوحة عام 2008 الذي عالج الأزمة السياسية المرتبطة بـ"
حزب الله."
ورأى التقرير أن الحكومة اللبنانية تحاول اليوم، عبر مفاوضات واشنطن، كسر هذا النمط والتصرف كدولة مستقلة ذات سيادة، في حين تسعى
إيران، من خلال مفاوضات إسلام آباد، إلى إعادة تثبيت نفسها باعتبارها القوة الإقليمية التي ينبغي أن تُبحث معها الملفات الأمنية المتعلقة بلبنان.
وأشار إلى أن لبنان، رغم تجنبه المشاركة الرسمية في الحروب العربية -
الإسرائيلية الكبرى، بقي ساحةً للصراعات الإقليمية، لافتاً إلى أنَّ
إسرائيل اجتاحت الأراضي اللبنانية ست مرات من دون أن تخوض مواجهة مباشرة مع الجيش اللبناني، معتبراً أن الدولة بقيت رسمياً خارج الحرب، فيما تحولت أراضيها إلى مسرح لمواجهات بين إسرائيل وقوى غير حكومية مرتبطة بقوى داخلية وخارجية.
وأوضح التقرير أن العلاقة الرسمية بين لبنان وإسرائيل كانت محكومة باتفاق الهدنة لعام 1949، قبل أن يتراجع العمل به بعد حرب 1967، ثم جرت محاولة لاستبداله باتفاق 17 أيار عام 1983 عقب الاجتياح الإسرائيلي، إلا أن لبنان ألغاه لاحقاً تحت ضغط سوريا، التي كانت تمثل آنذاك القوة الإقليمية المهيمنة، وحلفائها في الداخل.
وأوضح أن تبرير إسقاط الاتفاق آنذاك كان يقوم على ضرورة ربط المسار اللبناني بالمسار السوري، معتبراً أن إيران تحاول اليوم تكريس الفكرة نفسها عبر السعي إلى تنسيق المسارين اللبناني والإيراني، بما يحد من قدرة الدولة اللبنانية على اتخاذ قراراتها بصورة مستقلة.
وبحسب التقرير، فإن معسكر "حزب الله" يؤيد هذا المسار، ويعتبر لبنان جزءاً من دائرة النفوذ
الإيراني، بينما يدعو الفريق السيادي إلى تسوية العلاقات اللبنانية - الإسرائيلية من خلال الدولة اللبنانية بعيداً عن أي تأثير إيراني.
وأشار التقرير إلى أن السلام في لبنان ارتبط تاريخياً بتقديم تنازلات في السيادة لصالح أطراف داخلية وخارجية، وهو ما يصفه باحثون في العلاقات الدولية والجغرافيا السياسية بمفهوم "السيادة الهجينة"، حيث تبقى السيادة القانونية بيد الدولة، لكنها عملياً موزعة ومقيّدة بفعل نفوذ القوى غير الحكومية والتدخلات الخارجية.
ورأى أن نتائج هذا النموذج كانت كارثية على لبنان، مشيراً إلى أن آخر محاولة لكسر هذه المعادلة كانت خلال مفاوضات اتفاق 17 أيار عام 1983، التي استندت إلى دعم أميركي واسع، إلا أن تراجع هذا الدعم أدى في النهاية إلى انهيار الاتفاق.
وختم التقرير بالقول إن الرهانات الحالية كبيرة، وفي مقدمتها إعادة أكثر من مليون نازح إلى مناطقهم، معتبراً أن مستقبل لبنان يتوقف إما على توافق القوى الداخلية والإقليمية والدولية، أو على نجاح الحكومة اللبنانية في كسر الحلقة التاريخية والتصرف كدولة ذات سيادة كاملة.