تصفّح بدون إعلانات واقرأ المقالات الحصرية
|
Advertisement

لبنان

بعد قمة واشنطن... لبنان أمام اختبار إعادة التموضع

اندريه قصاص Andre Kassas

|
Lebanon 24
22-07-2026 | 02:00
A-
A+
بعد قمة واشنطن... لبنان أمام اختبار إعادة التموضع
بعد قمة واشنطن... لبنان أمام اختبار إعادة التموضع photos 0
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
A+
A-
يجمع المراقبون السياسيون على أن زيارة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون إلى واشنطن ليست مجرد حدث بروتوكولي عادي يندرج في إطار العلاقات التقليدية بين لبنان والولايات المتحدة، بل تشكّل، وفق ما أوحى به اللقاء في المكتب البيضاوي، محطة تأسيسية لمرحلة جديدة يحاول فيها لبنان إعادة تحديد موقعه في خريطة التوازنات الإقليمية والدولية. وقد يكون نجاح الخطوة الأولى لـ "المناطق التجريبية" أولى الخطوات، التي يمكن أن تشكّل المدماك الأساسي نحو استعادة لبنان سيادته على أرضه، ولو بخطوات خجولة، ولكنها ذات دلالات مهمّة إذا ما قيست بمدى الخسائر، التي تكبّدها لبنان نتيجة الحرب الإسرائيلية.
Advertisement
فالرسائل التي تحملها الزيارة تتجاوز إطار العلاقات الثنائية. ففي وقت تتبدل فيه خرائط النفوذ في الشرق الأوسط، ويعاد رسم أولويات القوى الإقليمية والدولية، يجد لبنان نفسه أمام فرصة لإعادة تموضع طال انتظارها، ولكن أيضًا أمام اختبار دقيق في كيفية إدارة هذا التحول من دون الانزلاق إلى محاور جديدة أو خسارة ما تبقى له من هامش توازن.
السنوات الماضية وضعت لبنان في قلب صراعات المنطقة، أكثر مما وضعته في موقع الدولة القادرة على إدارة مصالحها الوطنية. وبين الانهيار الاقتصادي، والأزمات السياسية، والحروب التي انعكست على الداخل، تراجعت قدرة الدولة على رسم سياسة خارجية مستقلة، وأصبحت في كثير من الأحيان تتأثر بما يجري حولها أكثر مما تؤثر فيه.
اليوم، تبدو الصورة مختلفة إلى حدّ ما. فالرئاسة اللبنانية تحاول إعادة تفعيل الدبلوماسية الرسمية، واستعادة دور الدولة في إدارة علاقاتها الخارجية، انطلاقًا من مبدأ تنويع الشراكات لا الارتهان لأي محور. وهذا ما يفسر الاهتمام بالانفتاح على أكثر من عاصمة مؤثرة في آن واحد.
فالزيارة المرتقبة إلى تركيا، قبل نهاية الشهر الحالي تعكس إدراكًا للدور المتنامي لأنقرة في ملفات المنطقة، من شرق المتوسط إلى سوريا، وما يمكن أن تفتحه من آفاق للتعاون الاقتصادي والاستثماري.
أما المملكة العربية السعودية، فتحتل موقعًا خاصًا في أي مقاربة لبنانية لإعادة بناء العلاقات العربية. فاستعادة الثقة مع الرياض لا تقتصر على البعد السياسي، بل ترتبط أيضًا بإمكان عودة الاستثمارات الخليجية، وتنشيط الحركة السياحية، وفتح الباب أمام دعم اقتصادي يحتاج إليه لبنان بشدة.
وفي موازاة ذلك، يبرز الملف السوري كواحد من أكثر الملفات حساسية. فالعلاقة بين بيروت ودمشق لم تعد قضية سياسية داخلية فحسب، بل أصبحت ترتبط بملفات أمن الحدود، ومكافحة التهريب، وعودة النازحين، والتنسيق الاقتصادي. ومن هنا، فإن أي مقاربة جديدة لهذا الملف ستحتاج إلى توازن دقيق يحفظ سيادة لبنان، وفي الوقت نفسه يتيح معالجة الملفات العالقة بين البلدين.
غير أن إعادة التموضع الخارجي لا يمكن أن تنجح إذا بقيت محصورة في حركة الزيارات واللقاءات. فالمجتمع الدولي، كما الدول العربية، لا ينظر إلى لبنان من زاوية الدبلوماسية وحدها، بل يربط أي انفتاح حقيقي بمدى قدرة الدولة على تنفيذ الإصلاحات، وتعزيز مؤسساتها، وبسط سلطتها على كامل أراضيها، واستعادة ثقة اللبنانيين قبل ثقة الخارج.
كما أن التحولات الإقليمية نفسها لا تزال في طور التشكل. فلا تزال ملفات عدة مفتوحة، من مستقبل غزة، إلى الوضع في سوريا، مرورًا بالعلاقة الأميركية – الإيرانية، وكلها عوامل قد تعيد رسم الأولويات في أي لحظة. لذلك، فإن هامش الحركة اللبنانية يبقى مرتبطًا بقدرته على التكيف مع هذه المتغيرات، لا على انتظار نتائجها.
في المقابل، يملك لبنان عناصر قوة لا ينبغي إغفالها. فموقعه الجغرافي، وعلاقاته التاريخية مع الغرب والعالم العربي، وطاقاته البشرية، وانتشاره الواسع في العالم، كلها عوامل يمكن أن تشكل قاعدة لعودة تدريجية إلى الساحة الإقليمية، إذا أحسن استثمارها.
لكن هذه العودة لن تتحقق بالرهان على الخارج وحده. فإعادة التموضع تبدأ من الداخل، عبر بناء دولة قادرة على اتخاذ القرار، وإدارة مؤسساتها بكفاءة، وتقديم نموذج مختلف عن سنوات الانقسام والشلل.
من هنا، قد تكون زيارة واشنطن بداية مرحلة، لكنها ليست نهايتها. فالاختبار الحقيقي يبدأ بعد العودة إلى بيروت، عندما تتحول الرسائل الدبلوماسية إلى سياسات، والوعود إلى خطوات، والانفتاح الخارجي إلى فرصة لإعادة بناء الدولة.
فلبنان لا يحتاج إلى تغيير وجهته بقدر ما يحتاج إلى استعادة بوصلته. فإذا نجح في بناء سياسة خارجية متوازنة تنطلق من مصلحته الوطنية أولًا، فقد يتمكن من استعادة موقعه كدولة تتفاعل مع محيطها بندية، لا كساحة تتلقى نتائج صراعات الآخرين. فما بعد زيارة واشنطن لن يكون كما قبلها في رأي المتفائلين، ولكن هذا التفاؤل يبقى حذرًا ما دام الصراع الأميركي – الإيراني قائمًا، وما دامت طهران قادرة على تحريك الجبهة الجنوبية بما يتوافق مع مصالحها في المنطقة.
مواضيع ذات صلة
تابع
Advertisement

أخبارنا عبر بريدك الالكتروني

إشترك
Author

اندريه قصاص Andre Kassas