حمل مشهد رئيس الحكومة نواف سلام وهو يرفع
العلم اللبناني في بلدة زوطر الغربية
جنوب لبنان دلالة تتجاوز الزيارة الرسمية. فالبلدة التي دخلها
الجيش اللبناني بعد انسحاب القوات
الإسرائيلية منها تحولت إلى أول نموذج عملي، ولو غير مكتمل، لما اصطلح على تسميته بـ"المناطق التجريبية"، مع انتقال الأرض من السيطرة الإسرائيلية إلى سلطة الدولة وبدء تثبيت حضورها فيها.
لكن الصورة بدت أقل اكتمالًا بالنسبة إلى سكان البلدة. فبينما دخل المسؤولون والعسكريون وارتفع العلم، بقي الأهالي مطالبين بالانتظار إلى حين انتهاء عمليات المسح والتأكد من خلو المنطقة من الألغام والأجسام غير المنفجرة. كما أن الدمار الواسع في المنازل والبنى التحتية جعل العودة أصعب من مجرد فتح الطريق، ودفع بعض السكان إلى الاعتراض على غياب التواصل وعدم السماح لهم حتى بمعاينة ممتلكاتهم.
هنا تظهر المفارقة التي تتجاوز زوطر الغربية إلى مستقبل الاتفاق كله. فالدولة تستطيع أن تتسلّم الأرض عسكريًا، وأن ترفع علمها فوقها، لكنها لا تستعيد البلدة كاملة ما دام سكانها خارجها والحياة غائبة عنها. لذلك يبقى الأساس في تقييم النتيجة قدرة السلطة على تحويل انتشار الجيش إلى عودة وإعمار وخدمات وأمان يسمح للناس بالبقاء، حتى لا يؤدي تأخر العودة والإعمار إلى تكريس نتائج التهجير
الإسرائيلي وإفراغ استعادة الأرض من معناها.
استعادة رمزية ترفع سقف المسؤولية
لا يمكن التقليل من أهمية دخول الجيش إلى منطقة انسحبت منها
إسرائيل. فالمشهد يكرّس مبدأ أساسيًا في الاتفاق، وهو أن الأرض التي تخليها القوات الإسرائيلية لا تنتقل إلى فراغ أمني أو إلى سلطة محلية موازية، وإنما إلى المؤسسة العسكرية
اللبنانية، التي يُنظَر إليها على نطاق واسع بوصفها صمام الأمان. بهذا المعنى، يشكل رفع العلم إعلانًا بأن الدولة تريد أن تكون الجهة الوحيدة التي تتولى حماية المنطقة وإدارة أمنها.
في هذا السياق، يحمل حضور رئيس الحكومة بدوره رسالة سياسية إلى الداخل والخارج. فهو يؤشر إلى أنّ
لبنان لا يريد أن يظهر مجرد منفذ لترتيبات وضعتها
واشنطن وتل أبيب، وإنما صاحب الأرض التي يتسلّمها والسلطة التي ستديرها بعد الانسحاب. لذلك جاء الحديث عن إعادة الإعمار واستعادة الحياة المدنية جزءًا من مشهد الانتشار، في محاولة لربط حضور الجيش بعودة الدولة بمؤسساتها، لا بوظيفتها الأمنية وحدها.
غير أن هذه الرمزية ترفع سقف المسؤولية بدل أن تنهيها. فمن يعلن استعادة الأرض يصبح مسؤولًا عن إزالة الركام، وإصلاح الطرق وشبكات الكهرباء والمياه، وفتح المدارس والمراكز الصحية، ومساعدة السكان على ترميم منازلهم، وإطلاق ورشة إعادة إعمار تستند إلى خطة واضحة وممولة وقابلة للتنفيذ. أما الاكتفاء بالانتشار ورفع العلم، فيحوّل الاستعادة إلى صورة سياسية لا تزال تنتظر مضمونها المدني والاجتماعي.
حين تسبق الدولة مواطنيها
يمكن فهم الأسباب الأمنية التي تؤخر عودة السكان. فالجيش يحتاج إلى مسح المناطق التي غادرتها القوات الإسرائيلية، والتأكد من خلوها من الذخائر والأجسام المشبوهة، خصوصًا في بلدة تعرضت لدمار واسع وأصبحت أجزاء منها غير صالحة للسكن. لكن مشروعية هذه الإجراءات لا تلغي حقيقة أن نقل السيطرة العسكرية يجري بوتيرة أسرع من استعادة الحياة المدنية.
تكمن المشكلة في أن ينجح تطبيق "المنطقة التجريبية" أمنيًا، من دون أن ينعكس ذلك على حياة سكانها. فخروج القوات الإسرائيلية وإزالة البنى المسلحة لا يكفيان لاستعادة البلدة ما دام أهلها عاجزين عن العودة، والخدمات وفرص العمل غائبة عنها. عندها تكون الدولة قد ضبطت الأرض، لكنها لم تُعد إليها بعد وظيفتها الطبيعية بوصفها مكانًا للحياة والاستقرار. وهذا الفارق بين السيطرة على المكان وإعادة الحياة إليه هو ما سيحدد، في النهاية، ما إذا كانت الدولة قد استعادت البلدة فعلًا أم اكتفت بتسلّمها أمنيًا.
تكتسب هذه المسألة أهمية سياسية تتجاوز الاحتياجات اليومية. فالدولة تخوض في الجنوب معركة شرعية، لا مجرد عملية انتشار، وإقناع الناس بجدوى انتقال القرار والسلاح إليها يحتاج إلى أكثر من إثبات قدرتها على الحلول مكان القوى الأخرى أمنيًا. فهو يتطلب جوابًا عمليًا عن الأسئلة التي عاشها الجنوبيون طوال الحرب: من يحميهم، ومن يعيد بناء منازلهم، ومن يعوض خسائرهم، ومن يضمن ألا تتحول عودتهم إلى نزوح جديد؟
في زوطر الغربية، وصلت الدولة إلى الأرض قبل أن تعود البلدة إلى أهلها. الجيش يثبت انتقال السلطة، والعلم يمنح هذا الانتقال صورته السياسية، لكن السيادة لا تكتمل عند الحاجز العسكري. تبدأ السيادة فعليًا حين يعبر صاحب المنزل إلى بلدته، ويجد طريقًا قابلة للاستخدام وبيتًا يمكن ترميمه ودولة تساعده على البقاء. عندها تتحول "المناطق التجريبية" من ترتيبات أمنية محدودة إلى نموذج فعلي لدولة تستعيد الأرض وتعيد إليها أهلها والحياة.