تصفّح بدون إعلانات واقرأ المقالات الحصرية
|
Advertisement

لبنان

لبنان بين البطريرك الحويك وزوطر...

"خاص لبنان24"

|
Lebanon 24
30-07-2026 | 05:00
A-
A+
لبنان بين البطريرك الحويك وزوطر...
لبنان بين البطريرك الحويك وزوطر... photos 0
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
A+
A-
في أقل من أربعٍ وعشرين ساعة، عاش لبنان مشهدين يبدوان متباعدين في الشكل، لكنهما يلتقيان في الجوهر.

في الديمان، ارتفعت الصلوات احتفالاً بتطويب البطريرك الياس الحويك، الرجل الذي ارتبط اسمه بقيام لبنان الكبير، وبالدفاع عن فكرة الوطن الذي يجمع أبناءه على اختلاف انتماءاتهم. وفي الجنوب، وتحديداً في زوطر الغربية، عاد الأهالي إلى بلدتهم بعد انسحاب القوات الإسرائيلية منها، ليكتشفوا أن أكثر من ثمانين في المئة منها لم يعد قائماً، وأن العودة التي حلموا بها طوال أشهر الحرب تحولت إلى صدمة إنسانية يصعب وصفها.
Advertisement

فبين الديمان وزوطر، يقف لبنان أمام مرآة تاريخه. في المكان الأول استعاد اللبنانيون ذاكرة رجل آمن بأن لبنان لا يكون إلا دولة، وبأن هذا الوطن يستحق أن يعيش أبناؤه فيه بكرامة وأمان. وفي المكان الثاني، واجه اللبنانيون واقع دولة ما زالت عاجزة عن إعادة الحياة إلى أرض استعادت جزءاً من سيادتها، لكنها لم تستعد بعد مقومات العيش فيها.

قد يقول البعض إن لا علاقة بين الحدثين، لكن الحقيقة أن الرابط بينهما عميق. فالبطريرك الحويك لم يناضل من أجل رسم حدود على الخريطة فحسب، بل من أجل قيام وطن يحتضن أبناءه ويؤمن لهم الأمن والخبز والحرية والعدالة. وما قيمة الحدود إذا بقيت القرى الملاصقة لها ركاماً، وما معنى السيادة إذا عاد المواطن إلى أرضه ليبحث بين الأنقاض عن منزله فلا يجده؟

لقد حمل أهالي زوطر الغربية مفاتيح بيوتهم معهم، لكنهم لم يجدوا أبواباً يفتحونها. حملوا ذكرياتهم، لكنهم اصطدموا بمشهد محا معالم البلدة. حتى الذين ولدوا هناك وحفظوا شوارعها عن ظهر قلب، وقفوا عاجزين عن تحديد المكان الذي كانت تقوم عليه منازلهم. وكأن الحرب لم تدمر الحجر فقط، بل حاولت محو الذاكرة أيضاً.

وفي المقابل، بدا احتفال تطويب البطريرك الحويك وكأنه تذكير بأن لبنان لم يقم صدفة، ولم يولد نتيجة تسوية عابرة، بل نتيجة رؤية آمنت بالدولة وبالشراكة وبالعيش المشترك. ومن هنا، فإن استعادة سيرته ليست مجرد احتفال كنسي، بل استحضار لفكرة لبنان التي تبدو اليوم أكثر حاجة إلى من يدافع عنها.

ولعل المفارقة الأكثر قسوة أن البلد الذي يحتفل بأحد مؤسسي كيانه الكبير، يجد نفسه في الوقت نفسه أمام تحديات وجودية تمس جوهر هذا الكيان. فمن إعادة إعمار الجنوب، إلى استكمال بسط سلطة الدولة، مروراً بالأزمة الاقتصادية والهجرة وفقدان الثقة بالمؤسسات، تبدو الأسئلة التي واجهها المؤسسون قبل أكثر من قرن وكأنها تعود بثوب جديد.

إن نجاح أي اتفاق أمني أو سياسي لن يُقاس بعدد المواقع التي ينسحب منها الجيش الإسرائيلي، بل بعدد العائلات التي ستعود إلى بيوتها، وعدد المدارس التي تفتح أبوابها، وعدد المزارعين الذين يعودون إلى حقولهم. فالدولة لا تُبنى بالبيانات والاتفاقات وحدها، بل بقدرتها على حماية الإنسان قبل الأرض، وعلى تحويل السيادة من مفهوم سياسي إلى واقع يعيشه المواطن كل يوم.

من هنا، لا يجوز أن يبقى تطويب البطريرك الحويك مناسبة لاستذكار الماضي فقط، بل ينبغي أن يتحول إلى مناسبة لمراجعة الحاضر. فالرجل الذي ناضل من أجل قيام وطن، يستحق أن يُكرَّم في دولة قادرة على صون ذلك الوطن، لا في دولة ما زالت تبحث عن نفسها بين الأزمات والانقسامات.

بين أجراس الديمان وصمت زوطر الغربية، يقف لبنان أمام خيار واضح: إما أن يكتفي بالاحتفال بتاريخ صنعه الآباء المؤسسون، وإما أن يستعيد مشروعهم الحقيقي، وهو بناء دولة يشعر فيها كل مواطن، من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب، بأن الوطن ليس مجرد فكرة جميلة، بل بيت يحمي أبناءه، حتى في أصعب الظروف.

فالبطريرك الحويك ترك للبنانيين وطناً. أما التحدي اليوم، فهو أن ينجح اللبنانيون في بناء الدولة التي حلم بها، حتى لا يبقى الجنوب شاهداً على أن استعادة الأرض أسهل بكثير من استعادة الحياة.
 
مواضيع ذات صلة
تابع
Advertisement

أخبارنا عبر بريدك الالكتروني

إشترك

"خاص لبنان24"