كتب زياد سامي عيتاني في" اللواء": لم يكن لقاء بعبدا بين رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري مجرد استئناف للتواصل بين رئاستين دستوريتين بعد مرحلة من التباعد السياسي، بل جاء كإحدى الثمار المباشرة للحراك الدبلوماسي الحثيث الذي قاده الموفد السعودي الأمير يزيد بن فرحان، وفي لحظة فارقة تحاول فيها الدولة اللبنانية الانتقال من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة إعادة إنتاج القرار من داخل المؤسسات.
فالاجتماع، الذي تقاطع توقيته مع الجهود العربية والدولية لترميم جسور التواصل بين المرجعيات الرسمية، أتى عقب عودة الرئيس عون من واشنطن ومحادثاته مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب ووزير الخارجية ماركو روبيو؛ ليشكّل محطة سياسية تتجاوز مضمون البيان الرسمي الذي اقتصر على بحث التطورات المحلية والإقليمية والأوضاع في الجنوب في ظل استمرار الاعتداءات والخروقات
الإسرائيلية.
تكمن أهمية اللقاء إذاً ليسفقط في الملفات المطروحة، بل في البصمة الدبلوماسية العربية والدولية التي مهّدت له، وفي الرسائل التي حملها داخلياً وخارجياً لسعي جاد يستهدف إعادة تثبيت الدولة اللبنانية كمرجعية وحيدة للقرار الوطني.
لم يأتِ اجتماع بعبدا من فراغ. فقد حرص الرئيس عون، خلال زيارته إلى واشنطن وفي مواقفه العلنية، على التأكيد أن معالجة الاستحقاقات اللبنانية لا يمكن أن تتم خارج إطار المؤسسات الدستورية، مشدّداً على أهمية دور رئيس مجلس النواب وموقعه السياسي والدستوري.
تدرك العواصم المعنية بالملف اللبناني أن أي مسار إصلاحي أو سيادي لا يمكن أن ينجح إذا بقي رئيس مجلس النواب خارج المعادلة.
فالمجلس النيابي سيكون معنياً بإقرار التشريعات المرتبطة بالإصلاحات الاقتصادية والمالية، وبتهيئة الإطار القانوني لأي برامج مستقبلية تتعلق بإعادة الإعمار والاستثمار.
كما أن موقع بري السياسي يمنحه قدرة على المساهمة في حماية الاستقرار الداخلي، ولا سيما في مرحلة حسّاسة قد تشهد تداعيات لأي تطورات أمنية أو إقليمية.
ومن هنا، فإن إشراكه في المشاورات لا يُقرأ كتراجع عن مشروع الدولة، بل باعتباره إدراكاً بأن بناء الدولة نفسها يمر عبر مؤسساتها الدستورية، لا عبر تجاوزها.
وكتب كمال ذبيان في" الديار": يوصف الرئيس نبيه بري بأنه رجل حوار، هذا الرجل الحواري لا يقطع علاقته مع أي طرف، ويحاور ويفاوض الموفدين
الأميركيين وغيرهم. لذلك، من الطبيعي أن يزور رئيس الجمهورية جوزاف
عون.
وما شجّع على زيارة الرئيس بري، ما قاله عنه الرئيس عون أمام الرئيس الأميركي دونالد ترامب في البيت الأبيض، بأنه رجل دولة وحريص على إنهاء الحرب الإسرائيلية على
لبنان.
العاملان الأميركي والسعودي ساهما في وصول الرئيس بري إلى القصر
الجمهوري، واشتاق إليه رئيس الجمهورية، الذي تقول مصادره إنه ينظر إلى رئيس مجلس النواب كشريك فعلي في تعاون السلطات ودعمها، وما يمثله كقائد شيعي في التركيبة الطائفية اللبنانية، وكسياسي صاحب خبرة، خاض مفاوضات ومرّ بتجارب، ويعني له الجنوب كما كل لبنان.
هذه الأجواء الإيجابية من الرئيس عون كانت تصل إلى الرئيس بري، فكانت الزيارة الأولى بعد انقطاع نحو أربعة أشهر، لرفض الرئيس بري "المفاوضات المباشرة"، وعدم رضاه عما تضمنه "اتفاق الإطار".
ويعطي بري للقائه عون الفرصة في أن يأتي مسعى رئيس الجمهورية بنتائج إيجابية لصالح لبنان، وهذا ما لمسه منه، وأن الاحتلال
الإسرائيلي هو السبب، ومتى زال فإن المسائل الأخرى تعالج داخليا بالحوار