في بلدٍ اعتادت أخباره أن تدور حول الأزمات الاقتصادية والسياسية والمالية، تأتي أرقام من نوع آخر لتسلّط الضوء على إحدى أبرز الثروات التي لا يزال
لبنان يمتلكها: طاقته البشرية وقدراته المعرفية.
فبحسب تصنيف International IQ Test لمتوسط معدل الذكاء حسب الدول لعام 2026، حلّ لبنان في المرتبة الأولى عربياً بمتوسط بلغ 99.13 نقطة ، ليحتل المرتبة 41 عالمياً ، متقدماً على عدد كبير من الدول. وجاءت
سوريا في المرتبة العربية الثانية بمتوسط 98.41 نقطة، تلتها قطر بـ97.94 نقطة.
ولا يتوقف الرقم عند دلالته الرقمية، إذ يكتسب أهمية إضافية في حالة لبنان، حيث يأتي في وقت يعاني فيه البلد من أزمات متراكمة طاولت قطاعات التعليم والاقتصاد وسوق العمل، وأجبرت أعداداً كبيرة من أصحاب الكفاءات على الهجرة بحثاً عن فرص أفضل.
الثروة التي لم تُستثمر بما يكفي
لطالما ارتبط لبنان بارتفاع نسبة المتعلمين وانتشار الجامعات والمدارس وتنوّع الاختصاصات، فضلاً عن الحضور اللبناني في مجالات الطب والهندسة والاقتصاد والتكنولوجيا وريادة الأعمال في دول عربية وغربية عدة.
ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة نتيجة التصنيف باعتبارها مؤشراً إضافياً إلى وجود رأس مال بشري لبناني قابل للمنافسة، حتى في ظل الظروف الصعبة التي يعيشها البلد.
لكن المفارقة تكمن في أن لبنان، الذي يملك هذه الكفاءات، لا يزال يعاني من ضعف القدرة على تحويل المعرفة إلى إنتاج اقتصادي مستدام. فامتلاك القدرات العلمية والفكرية لا يكفي وحده لبناء اقتصاد حديث، ما لم يترافق مع منظومة تعليمية متطورة، وتمويل للبحث العلمي، وفرص عمل نوعية، وبيئة حاضنة للابتكار والتكنولوجيا.
على الرغم من كل هذا، تفتح النتيجة باباً مهماً للنقاش حول مفارقة لبنانية قديمة: بلد صغير يصدّر الكفاءات بدلاً من أن يستثمرها داخلياً.
فإذا كانت الأرقام تعكس، ولو جزئياً، مستوى القدرات المعرفية لدى شريحة من اللبنانيين، فإن السؤال الأهم لا يصبح: "هل اللبنانيون أذكياء؟" بل: ماذا يفعل لبنان بهذا الذكاء؟
فالجامعات
اللبنانية تخرّج سنوياً آلاف الطلاب في تخصصات علمية وتقنية وطبية وإدارية، فيما يشكل اللبنانيون حضوراً لافتاً في قطاعات الأعمال والتكنولوجيا والطب والهندسة حول العالم. لكن جزءاً كبيراً من هذه الطاقات يجد نفسه مضطراً إلى مغادرة البلاد بسبب غياب الاستقرار الاقتصادي وضعف سوق العمل ومحدودية فرص التطور المهني.
وهكذا تتحول الميزة البشرية إلى نزيف للكفاءات بدلاً من أن تكون محرّكاً للنمو.
الاستفادة الحقيقية من هذه المؤشرات لا تكون عبر الاحتفال بالمرتبة الأولى عربياً فحسب، بل عبر طرح سؤال أكثر جدية: هل يستطيع لبنان بناء اقتصاد يستند إلى المعرفة والابتكار؟
الإجابة تتطلب الاستثمار في التعليم، وتعزيز البحث العلمي، وتطوير المناهج، وربط الجامعات بسوق العمل، وتوفير حوافز للشركات الناشئة، إضافة إلى توفير بيئة تسمح للكفاءات اللبنانية بالبقاء والعمل داخل البلاد بدلاً من البحث عن مستقبلها في الخارج.
فالذكاء، بحد ذاته، ليس ثروة اقتصادية. يتحول إلى ثروة عندما يجد البيئة التي تسمح له بالإنتاج والابتكار وتحويل المعرفة إلى قيمة مضافة.
الرقم الذي يستحق التوقف عنده
في الترتيب العالمي، جاءت
كوريا الجنوبية في المركز الأول بمتوسط 106.97 نقطة، تلتها
الصين بـ106.48، ثم
اليابان بـ106.30، بينما حلّ لبنان في المركز 41 عالمياً بـ99.13 نقطة.
وقد يبدو الفارق بين لبنان والدول المتقدمة في أعلى التصنيف كبيراً، إلا أن القيمة الأهم للنتيجة اللبنانية تكمن في أنها تعيد تسليط الضوء على المورد الأكثر استدامة الذي يمتلكه البلد: الإنسان.
فلبنان لا يملك ثروات طبيعية ضخمة، ولا اقتصاداً مستقراً، ولا بنية تحتية تضاهي الاقتصادات الكبرى. لكنه يمتلك، تاريخياً، شبكة واسعة من الكفاءات والطاقات البشرية المنتشرة في الداخل والخارج.
ومن هنا، فإن المرتبة الأولى عربياً في هذا التصنيف يمكن أن تكون أكثر من مجرد خبر لطيف وسط سيل الأخبار السلبية، إذا تحولت إلى مناسبة لإعادة التفكير في السياسات التعليمية والاقتصادية.
فالرهان الحقيقي ليس على أن يكون لبنان البلد العربي الأعلى في متوسط نتيجة اختبار، بل على أن يصبح البلد الذي يعرف كيف يحوّل ذكاء أبنائه إلى علم وإنتاج وابتكار وفرص عمل ونمو.