تصفّح بدون إعلانات واقرأ المقالات الحصرية
|
Advertisement

لبنان

تراجع الهامش الإيراني يعيد رسم المشهد الشيعي

هتاف دهام - Hitaf Daham

|
Lebanon 24
10-08-2026 | 03:00
A-
A+
تراجع الهامش الإيراني يعيد رسم المشهد الشيعي
تراجع الهامش الإيراني يعيد رسم المشهد الشيعي photos 0
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
A+
A-
لم يعد المسار الإيراني يحتفظ في لبنان بالهامش نفسه الذي كان يتمتع به في مراحل سابقة. فالتطورات الأخيرة توحي بأن قدرة طهران على التأثير المباشر في المشهد اللبناني باتت أكثر محدودية، بعدما عجزت عن وقف التدمير الإسرائيلي في الجنوب، أو فرض معالجة للملفات المرتبطة بالسفير الإيراني والطائرات الإيرانية في مطار بيروت، في وقت برز فيه تشدد رسمي حيال دخول الرعايا الإيرانيين إلى لبنان.
Advertisement

لا تكمن أهمية هذه الوقائع في تفاصيلها فحسب، بل في دلالاتها السياسية. فهي تعكس، إلى حد كبير، تراجع القدرة الإيرانية على التأثير المباشر في القرار اللبناني، بالتزامن مع بداية تشكل مسار جديد داخل البيئة الشيعية يقوم على إعادة التموضع وفتح هوامش أوسع للحركة السياسية.

في هذا السياق، تبرز حركة «أمل» ورئيس مجلس النواب نبيه بري في موقع متقدم من هذا التحول. فبري يبدو اليوم، وعلى عكس الأشهر الماضية، أكثر انفتاحاً على السلطة، من خلال مواقف تتسم بمرونة أكبر، وتركيز واضح على تثبيت وقف إطلاق النار، وإنجاز الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب، وضمان عودة سكانه إلى قراهم.

ويكتسب هذا المسار دلالة إضافية مع مشاركة وفد من حركة «أمل» في لقاء فينيسيا الذي دعا إليه «التيار الوطني الحر»، وما تبع اللقاء من تبنٍّ لوثيقة «حماية لبنان»، التي شددت على حصرية السلاح ومرجعية الدولة في قرار السلم والحرب. ولا يمكن فصل هذه الخطوة عن التحولات التي يمر بها المشهد الشيعي، ولا عن محاولة بري رسم حدود سياسية أكثر تمايزاً في المرحلة المقبلة، حمايةً للطائفة الشيعية.

صحيح أن أولوية بري تبقى الحفاظ على تماسك البيئة الشيعية، لكن هذا الهدف لا يعني بالضرورة استمرار الحركة ضمن مسار سياسي واحد. فبري يبدو حريصاً على حماية موقع «الثنائي الشيعي»، وفي الوقت نفسه على توسيع شبكة علاقاته مع الدولة والقوى العربية والدولية، بما يتيح له الاحتفاظ بهامش حركة أوسع في مرحلة تتغير فيها موازين النفوذ.

ومن أبرز مؤشرات هذا التمايز الانفتاح على السعودية. فقد أكد بري مراراً أهمية الدور السعودي في دعم استقرار لبنان، مشيراً إلى متانة العلاقة معها، ومعتبراً أن استقرار لبنان يحتاج إلى ضمانة ثلاثية تشارك فيها السعودية والولايات المتحدة وإيران. وهذه المقاربة لا تبدو منفصلة عن محاولته إعادة تثبيت موقعه كطرف قادر على التواصل مع مختلف العواصم، وليس فقط ضمن إطار العلاقة التقليدية مع طهران.

في الداخل، تزامن ذلك مع تحسن واضح في علاقة بري بالسلطة. فقد زار رئيس الجمهورية جوزاف عون، فيما يزور رئيس الحكومة نواف سلام عين التينة بصورة دورية، في مؤشر إلى تجاوز مرحلة من الجفاء طبعت العلاقة خلال الأشهر الماضية. ويصف بري علاقته بالرئيس عون بأنها «ممتازة»، رغم وجود تباينات في بعض المواقف السياسية، أما علاقته برئيس الحكومة نواف سلام، فيصفها بأنها تقوم على التواصل الدائم.

لكن قراءة هذه العلاقة باعتبارها مجرد تقارب شخصي بين بري وأركان السلطة تقلل من أبعادها السياسية. فما يجري هو محاولة لإعادة تحديد موقع حركة «أمل» في مرحلة دقيقة، بحيث يجمع بري بين حماية تماسك بيئته السياسية والاجتماعية، وبين إبقاء قنوات التفاهم مع الدولة مفتوحة.

ومن هنا يصبح السؤال الأكثر حساسية متعلقاً بموقف «حزب الله» من هذا المسار.

دعوة الأمين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم إلى الحوار، من خلال مطالبته بـ«إيقاف التنازلات المجانية، وفتح باب الحوار مع المقاومة، وترميم الوضع الداخلي»، تحمل أكثر من احتمال. فقد تكون محاولة لإعادة تحديد شروط الحوار مع السلطة، وقد تشكل في الوقت نفسه رسالة استعداد لفتح نافذة سياسية بعد مرحلة من القطيعة والتوتر.

لكن هل تعكس هذه الدعوة بداية مراجعة سياسية لدى الحزب، أم أنها مجرد خطوة تكتيكية إلى حين اتضاح اتجاهات المسار الإقليمي؟

هذا السؤال يكتسب أهمية أكبر في ظل عدم تحقيق السلطة اللبنانية، حتى الآن، النتائج التي كانت تراهن عليها من اتفاق الإطار. فالانسحاب الإسرائيلي الكامل لم يتحقق، والاعتداءات لم تتوقف نهائياً، فيما بقي ملف الجنوب مفتوحاً على تعقيدات أمنية وسياسية متعددة. وفي ظل هذه المراوحة، قد يجد كل من السلطة والحزب مصلحة في خفض مستوى التصعيد والعودة إلى قنوات الحوار، خصوصاً إذا تبيّن أن أياً منهما لا يملك القدرة على فرض تسوية منفردة.

رئاسة الجمهورية، وفق المواقف المنقولة عن مصادرها، لا تغلق باب التواصل مع «حزب الله» وسائر القوى السياسية، لكنها تشترط أن تكون هناك إرادة جدية للوصول إلى نتائج، لا الاكتفاء بتبادل المواقف عبر الإعلام. وفي المقابل، ترى مصادر في بعبدا أن الحزب لم يتعامل بإيجابية مع المبادرات الحوارية التي طرحها رئيس الجمهورية خلال المرحلة الماضية، ما أدى إلى تراجع التواصل المباشر، وأبقى قنوات الاتصال معه قائمة بصورة غير مباشرة عبر بري.

في موازاة ذلك، لا يبدو أن المسار الإيراني يحقق اختراقاً واسعاً في الملفات المتصلة بلبنان. فالمفاوضات تتحرك، وفق المعطيات المتداولة، في اتجاه اتفاق مؤقت يرتبط أساساً بملف مضيق هرمز، فيما تبقى الملفات الأخرى، وفي مقدمها لبنان والجنوب، خارج دائرة الحسم. أما مسار روما، فلم يتمكن من جهته من تحقيق الاختراق المنتظر، بعدما اصطدمت فكرة «المناطق التجريبية» بتعقيدات ميدانية وسياسية حالت دون الانتقال إلى مرحلة جديدة.

وهكذا، يواجه المساران الإيراني واللبناني حالة من المراوحة. وعليه، فإن السؤال الأساسي لم يعد فقط حول حجم التأثير الإيراني في لبنان، بل حول كيفية إعادة إنتاج التوازن داخل البيئة الشيعية نفسها، وما إذا كان هذا التوازن الجديد سيفتح الطريق أمام علاقة مختلفة بين «حزب الله» والسلطة، فإذا بقيت الرسائل منفصلة عن أي خطوات عملية، فستستمر المراوحة، وسيبقى القرار اللبناني معلقاً بين تعقيدات الداخل وانتظار ما ستؤول إليه التفاهمات الإقليمية.
 
مواضيع ذات صلة
تابع
Advertisement

أخبارنا عبر بريدك الالكتروني

إشترك
Author

هتاف دهام - Hitaf Daham