تتجه الأنظار في جنوب لبنان بصورة متزايدة نحو القطاع الشرقي، حيث تبرز مرتفعات الشقيف وعلي الطاهر باعتبارهما من أكثر النقاط حضوراً في العمليات العسكرية الإسرائيلية خلال الأشهر الأخيرة، في وقت تتداخل فيه التطورات الميدانية مع المفاوضات المتعلقة بالانسحاب الإسرائيلي والترتيبات الأمنية المستقبلية.
ولا تنبع أهمية المنطقتين من التطورات الأخيرة وحدها، فالشقيف وعلي الطاهر تقعان ضمن نطاق جغرافي مرتفع يشرف على مساحات واسعة من محافظة النبطية، فيما تبعد مرتفعات علي الطاهر نحو خمسة كيلومترات عن قلعة الشقيف وترتفع قرابة 600 متر عن سطح البحر، وتشرف على مدينة النبطية من الشرق.
وفي 31 أيار، أعلنت
إسرائيل فرض "سيطرة عملياتية" على منطقة مرتفعات الشقيف، بعدما عبرت قواتها نهر الليطاني ووسعت عملياتها في المنطقة. ومع تقدم العمليات، تحول التركيز من السيطرة على الأرض إلى ما تقول إسرائيل إنه موجود تحتها.
وفي حزيران، أعلن الجيش الإسرائيلي اكتشاف شبكة أنفاق متعددة المستويات في مرتفعات الشقيف، وقال إن أحد الأنفاق يمتد لنحو كيلومتر داخل الصخور ويضم ست فتحات تحت الأرض ومستودعاً للأسلحة وموقعاً لإطلاق الصواريخ المضادة للدروع وغرفاً ومرافق أخرى.
وبحسب الرواية الإسرائيلية، لم تكن المنشآت المكتشفة مجرد أنفاق للتنقل، بل جزءاً من بنية عسكرية واسعة أقامها "
حزب الله" في المنطقة. وفي 31 تموز، أعلنت إسرائيل تنفيذ عملية تفجير ضخمة استهدفت أنفاقاً في محيط قلعة الشقيف، وقالت تقارير إن العملية استخدمت نحو 700 طن من المتفجرات.
من الشقيف إلى علي الطاهر
على بعد بضعة كيلومترات، برزت مرتفعات علي الطاهر باعتبارها العقدة التالية في هذا المحور. وفي مطلع حزيران، قدم مركز "ألما" الإسرائيلي الشقيف وعلي الطاهر ضمن قراءة جغرافية وعسكرية مترابطة، مشيراً إلى أن السيطرة على المرتفعات توفر إشرافاً على النبطية غرباً ومرجعيون شرقاً، فضلاً عن محاور الحركة في المنطقة.
لكن خلافاً لما جرى في الشقيف، بقيت صورة السيطرة في علي الطاهر أكثر تعقيداً/ فقد أعلنت إسرائيل السيطرة على المنطقة، بينما نفى "حزب الله" ذلك، قبل أن تستمر الاشتباكات والعمليات العسكرية فيها خلال الأسابيع التالية. وفي 29 تموز، قال الجيش الإسرائيلي إن "حزب الله" أطلق مسيّرة متفجرة باتجاه آلية هندسية إسرائيلية في منطقة علي الطاهر، وأفادت تقارير إسرائيلية بإصابة الآلية من دون وقوع إصابات بشرية.
وعادت المرتفعات إلى واجهة الأحداث بقوة خلال الأيام الأخيرة، مع قصف مدفعي وضربات إسرائيلية متلاحقة، فيما أعلن
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن الجيش ينفذ "عملية بالغة الأهمية" في علي الطاهر.
المعركة انتقلت إلى تحت الأرض
وكما حدث في الشقيف، تركز الرواية الإسرائيلية في علي الطاهر على شبكة الأنفاق، وتتحدث تقارير في
تل أبيب عن وجود منشأة كبيرة تحت الأرض وعن عمليات لتطويقها وقطع طرق الإمداد إليها، فيما تواصل القوات الإسرائيلية عملياتها في المرتفعات ومحيطها.
وفي أحدث قراءة إسرائيلية، حذر مركز "ألما"، في 11 آب، من أن أي انسحاب إسرائيلي من علي الطاهر من دون ترتيبات تمنع عودة "حزب الله" إلى المنطقة قد يسمح للحزب بتقديم الانسحاب باعتباره انتصاراً، ما يعكس انتقال
النقاش الإسرائيلي من كيفية السيطرة على الموقع إلى السؤال عن مصيره بعد انتهاء العمليات.
لماذا القطاع الشرقي؟
ما يجري بين الشقيف وعلي الطاهر يكشف عن ثقل متزايد للقطاع الشرقي في المشهد الميداني الحالي، فالعمليات الإسرائيلية عبرت نهر الليطاني باتجاه مرتفعات حاكمة، فيما تركز البيانات العسكرية الإسرائيلية بصورة متكررة على الأنفاق والمنشآت تحت الأرض ومحاور الحركة المرتبطة بها.
وفي الوقت نفسه، دخلت علي الطاهر مباشرة على خط المفاوضات، فقد أشارت تقارير إسرائيلية خلال الأيام الماضية إلى أن المنطقة أصبحت إحدى نقاط الخلاف، وسط حديث عن مطالبة إسرائيل بأن يتحقق
الجيش اللبناني من خلوها من عناصر وبنى "حزب الله" في إطار الترتيبات المطروحة.
وهكذا، فإن النظر إلى الشقيف وعلي الطاهر كلّ على حدة لا يقدم الصورة كاملة، فمن السيطرة الإسرائيلية المعلنة على مرتفعات الشقيف وتدمير أنفاقها، وصولاً إلى استمرار العمليات في علي الطاهر، باتت هذه الرقعة من القطاع الشرقي واحدة من أبرز ساحات اختبار الواقع العسكري الجديد في الجنوب.
ولهذا تحديداً، لم يعد السؤال مقتصراً على ما إذا كانت إسرائيل ستنهي عملياتها في علي الطاهر، بل يمتد إلى مصير كامل المحور الممتد بين المرتفعات بعد أي انسحاب، والجهة التي ستنتشر فيه، والآلية التي ستُعتمد للتعامل مع المنشآت العسكرية والأنفاق التي تقول إسرائيل إنها لا تزال موجودة هناك.