تصفّح بدون إعلانات واقرأ المقالات الحصرية
|
Advertisement

لبنان

"اتفاق الإطار"… قائمٌ شكلاً معطَّلٌ فعلاً

سامر حداد - Samer Haddad

|
Lebanon 24
23-08-2026 | 03:00
A-
A+
اتفاق الإطار… قائمٌ شكلاً معطَّلٌ فعلاً
اتفاق الإطار… قائمٌ شكلاً معطَّلٌ فعلاً photos 0
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
A+
A-
مرّ "اتفاق الإطار" الذي وقّعه لبنان وإسرائيل في واشنطن بتاريخ 26 حزيران الماضي، عقب خمس جولات تفاوضية شاقة، بما يقارب الشهرين من التطبيق المتعثر، ليجد نفسه اليوم أمام مفترق مصيري مع اقتراب الجولة الثامنة من المفاوضات المرتقبة في روما مطلع أيلول المقبل . فبين وعود الانسحاب التدريجي وواقع التصعيد الميداني المستمر، وبين نص الاتفاق وملحقه الأمني الذي بقي طيّ الكتمان، يبدو أن المسافة بين التوقيع والتنفيذ باتت أوسع من أن يقرّبها مجرد عقد جولة تفاوضية جديدة ؛ على رغم مواصلة لبنان الرسمي الايحاء بان الاتفاق قائم وسيطبق ، وعلى رغم الجهد الذي يبذله رئيس الجمهورية جوزف عون لوضعه موضع التنفيذ ، واخر ما سجل في هذا السياق زيارته إلى روما والفاتيكان حيث طلب من البابا لاوُن الرابع عشر ورئيسة الوزراء الإيطالية جيورجيا ميلوني السعي للضغط على إسرائيل لتسهيل تطبيق اتفاق الاطار ، ناهيك عن المناشدات شبه اليومية للولايات المتحدة للإيفاء بإلتزاماتها لجعل الاتفاق حقيقة قائمة وفعلية في آن .
Advertisement
لكن التمنيات شيء والواقع شيء آخر لاسيما مع وجود عوامل عدة تتحكم اليوم بمصير هذا الاتفاق، وصولاً إلى خلاصة باتت شبه إجماعية في الأوساط السياسية والدبلوماسية اللبنانية: الاتفاق قائم، لكن تنفيذه موقوف.
ابرز هذه العوامل :
- أولاً: عقدة “المنطقة النموذجية” الجديدة
 
لقد شكّل استحداث مناطق تجريبية (Pilot Zones) يتولى فيها الجيش اللبناني مهام أمنية موسّعة، مقابل انسحاب إسرائيلي تدريجي منها، حجر الزاوية العملي لاتفاق الإطار. غير أن الجولتين السادسة والسابعة في روما أظهرتا أن إسرائيل تربط أي توسّع في هذه المناطق أو استحداث مناطق جديدة بتقييمها الخاص لأداء الجيش اللبناني في المنطقتين النموذجيتين الأوليين، زوطر الغربية وفرون، قبل الانتقال إلى أي مرحلة لاحقة. هذا الاشتراط الإسرائيلي، الذي يمنح تل أبيب فعلياً حق “الفيتو” على وتيرة التقدّم، حوّل آلية كان يُفترض أن تكون تدريجية ومتفقاً على جدولها الزمني، إلى مسار مفتوح رهن التقدير الإسرائيلي المتجدد بعد كل استحقاق. ونتيجة لذلك، انتهت الجولة السابعة من دون التوصل إلى منطقة نموذجية جديدة، لِيُحال البتّ في هذا الملف إلى الجولة الثامنة، من دون ما يشي بقرب حسمه. وبنت الدولة اللبنانية امالا عراض على الزيارة المتكررة التي قام بها رئيس مجموعة التنسيق العسكري الخاصة بلبنان MCG4L الجنرال جوزف كليرفيلد ، لكن هذه الامال سرعان ما تبددت مع تعثر الوصول إلى اتفاق حول منطقتين جديدتين نموذجيتين ؛ وبدا الجنرال الاميركي كمن يدور في حلقة مفرغة !
 
- ثانياً: غياب وقف إطلاق نار جدي وشامل
 
في غضون ذلك ، لم تفلح أشهر التفاوض في انتزاع التزام إسرائيلي بوقف شامل وفعلي للعمليات العسكرية في الجنوب. فبينما يتحدث الاتفاق ضمناً عن تثبيت الهدوء كشرط لتقدّم المسار، تتواصل الضربات والاغتيالات الموضعية والغارات على القرى الحدودية، في نمط يوحي بأن إسرائيل تتعامل مع “وقف النار” كإطار مرن قابل للخرق كلما ارتأت ذلك ضرورة أمنية أو انتخابية. وقد سجّلت الأسابيع الأخيرة استمرار الاستهدافات، من بينها عمليات طالت مدنيين وعناصر ميدانية في مناطق جنوبية متفرقة، في وقت ما زالت فيه واشنطن تكتفي بدور “المهدئ” أكثر منها “الضاغط” الفعلي على تل أبيب لالتزام تعهداتها. هذا الواقع يقوّض أحد أهم أعمدة اتفاق الإطار، إذ يصعب الحديث عن انتشار للجيش اللبناني وانسحاب إسرائيلي منظّم في ظل استمرار العمليات العسكرية الأحادية التي لا شيء يوحي حتى الان بانها ستتوقف بدليل ما يصدر عن المسؤولين الاسرائيليين من مواقف تصعيدية تتدرج يوماً بعد يوم ، تُقابل بكلام من " حزب الله " لا يقل حدة عن الكلام الإسرائيلي ؛ ما يعني عملياً أن لا امل في الوقت الحاضر في الوصول إلى وقف فعلي للعمليات الحربية في الجنوب ، هذا إذا استمرت الضاحية الجنوبية من بيروت محيّدة .
 
- ثالثاً: عقدة جهة التدقيق والملحق الأمني السرّي
 
ولعل من أكثر الملفات حساسية وتعقيداً، ذاك المتعلق بتحديد الجهة أو الجهات الدولية التي ستتولى التحقق من التزام الجيش اللبناني بتنفيذ ما ورد في اتفاق الإطار وملحقه الأمني، الذي ظلّت بنوده غير معلنة حتى اليوم. فمع اقتراب نهاية ولاية القوات الدولية العاملة في الجنوب "اليونيفيل" وتراجع الثقة بآليات المراقبة القائمة، لم يُحسم بعد الجدل حول الصيغة البديلة: هل تكون آلية أميركية- فرنسية موسّعة، أم لجنة خماسية معدّلة، أم إطار جديد كلياً؟ هذا الغموض ليس تفصيلاً تقنياً، بل هو في صلب السيادة الوطنية، إذ يتصل مباشرة بمن سيملك حق “الحكم” على أداء الدولة اللبنانية، وبأي معايير، وبأي مرجعية قانونية أو سياسية. واستمرار تعليق هذا الملف يجعل من الصعب تحويل أي تفاهمات ميدانية جزئية إلى بنية تنفيذية مستقرة وقابلة للمساءلة. وما يزيد الأمور تعقيدا أن الدول التي قيل انها " متحمسة" لتولي عملية التدقيق ، لم تحسم امرها بعد ، فإيطاليا مثلا باتت تحسب الف حساب في ما لو لم يوافق البرلمان الايطالي على هذه المهمة ، او إذا ما حصلت إشكالات امنية ادت الى اصابة افراد في القوة الايطالية لانها ستنعكس فورا على وضعية الرئيسة ميلوني التي تواجه استحقاقاً انتخابياً صعبا خلال الأشهر القليلة المقبلة . اما سويسرا التي قيل انها مهتمة هي ايضا بمهمة التحقق فلم تعطِ جواباً حاسماً بعد ، فيما بريطانيا تنتظر الالية التي ستعمل بموجبها قوة التحقق لاسيما في ما خص الصلاحيات والمدة والعلاقة مع الجيشين اللبناني والاسرائيلي ومع البيئة التي ستعيش وسطها . اما الأردن الذي قيل انه راغب في المشاركة من الدول العربية ، فان لا معلومات دقيقة حول موقفه النهائي بعد لاعتبارات داخلية وما تردد عن "تحفظ" اسرائيلي وعدم حماسة أميركية لهذه المشاركة .
 
- رابعاً: معضلة تلة علي الطاهر
 
في هذه الأثناء لا تزال تلة علي الطاهر منذ الأسابيع الأخيرة ، تبرز كأخطر نقطة اختبار ميداني وسياسي في آن. فمع تقديم اقتراح أميركي يقضي بتسليم الموقع إلى الجيش اللبناني تمهيداً لتفكيك البنية العسكرية القائمة تحته، ظل موقف "حزب الله "
يراوح بين تسريبات عن استعداد لتسليم الموقع في ظل تراجع قدرته الميدانية على حمايته، وتصريحات علنية قاطعة برفض التخلي عنه باعتباره من “مواقع المقاومة الأساسية”. هذا التناقض بين ما يُتداول في الكواليس الدبلوماسية وما يُعلن سياسياً وإعلامياً، يعكس حساسية القرار داخل الحزب نفسه، بين اعتبارات الجهوزية العسكرية من جهة، وهاجس عدم الظهور بمظهر المتنازل تحت الضغط من جهة أخرى، خصوصاً أن إسرائيل تصرّ على ربط أي عودة إلى طاولة روما بحسم هذا الملف تحديداً. وبقدر ما تُختبر في علي الطاهر جدّية اتفاق الإطار، بقدر ما تُختبر فيها معادلة العلاقة الداخلية بين الدولة والحزب التي لا تزال تمر في مرحلة رمادية لاسيما مع استمرار التصعيد ضد رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة . والواقع انه لاح في الايام الماضية ضوء خافت في آخر النفق المظلم من خلال ما صدر عن استعداد للحزب للدخول مع قيادة الجيش في نقاش حول تلة علي الطاهر تمهيدا لتسليمها ، لكن هذا الامل سرعان ما تبدد مع حديث اسرائيلي عن تشديد الحصار على التلة من جهة ، وعن وجود عناصر من الحرس الثوري الايراني داخل منشأة في جسم التلة ، الامر الذي نفاه " الحزب " جملة وتفصيلا . وفي انتظار ان تتضح الصورة حول مصير التلة ، فان التعاطي العسكري الإسرائيلي حيالها مستمر وبحدة من خلال ما يعرف ب " الضربات الأرهاقية "التي تريد إسرائيل من اعتمادها استسلام العناصر الموجودة في بطن التلة حيث المنشأة الابرز للحزب .
 
- خامساً: تمسّك الثنائي الشيعي بالرفض
 
في غضون ذلك، لم يتزحزح الموقف المعلن للثنائي الشيعي، "حركة أمل " و"حزب الله" ، عن رفض اتفاق الإطار بصيغته الحالية ومفاعيله، باعتباره تنازلاً غير متكافئ يفرض على لبنان التزامات أحادية الجانب من دون ضمانات إسرائيلية موازية وملزمة. هذا الموقف، وإن كان لا يعني بالضرورة تعطيلاً كاملاً لكل خطوة تنفيذية ميدانية كما يظهر من الانتشار الفعلي للجيش في مناطق جنوب الليطاني، فإنه يبقي الغطاء السياسي الشيعي غائباً عن الاتفاق، ويجعل من أي تفاهمات تقنية إنجازاً هشاً قابلاً للتعثر عند أول استحقاق حساس، كما تجلّى في ملف علي الطاهر.
 
- سادساً: مبادرة الرئيس بري البديلة
 
في مقابل الجمود الرسمي، طرح الرئيس نبيه بري، في لقائه مع مجموعة العمل الأميركية من أجل لبنان، مقاربة مغايرة لجوهر اتفاق الإطار: انسحاب إسرائيلي كامل حتى الحدود الدولية المعترف بها، مقابل ضمانة شخصية منه بانتشار فوري للجيش اللبناني حصراً في المنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني، وحصر السلاح فيها بيد الدولة، من دون التطرق إلى ما هو أبعد شمالاً. هذه المقاربة تتجاوز منطق “المناطق النموذجية” التدريجية والمشروطة بتقييمات إسرائيلية متعاقبة، لتطرح معادلة أوضح: انسحاب أولاً، انتشار فوراً. وهي، وإن لم تلقَ حتى الآن تجاوباً إسرائيلياً أو أميركياً معلناً، تمثل مؤشراً على تصدّع الإجماع الداخلي، حتى بين الحلفاء التقليديين، حول جدوى اتفاق الإطار كما صيغ، وتفتح الباب أمام تساؤلات جدية حول ما إذا كان بالإمكان إيجاد صيغة بديلة تحظى بقبول لبناني أوسع. وفيما كان الحكم يعوّل على " ليونة " ما من قبل " الحزب" ، حصل تطور فرمل اي تقدم تمثّل بعقوبات وزارة الخزانة الأميركية على أشخاص يشكلون شبكة لنقل الأموال لصالح "حزب الله" و"فيلق القدس" التابع للحرس الثوري الإيراني، مستخدمين رحلات تجارية بين لبنان وتركيا والإمارات وإيران لنقل مبالغ تصل إلى مئات الملايين من الدولارات خارج النظام المالي الرسمي، وهو اجراء رأى في " الثنائي الشيعي " وتحديداً " حزب الله " حصاراً اقتصادياً ومالياً لا يستهدفه فحسب بل كذلك يستهدف البيئة الشيعية التي تعاني ايضا من أزمات اقتصادية متتالية وعميقة .
 
-سابعاً: تعليق المسار الأميركي - الإيراني
 
ولعل العامل الأكثر تأثيراً على المدى المتوسط هو ما جرى قبل أيام قليلة، حين أوعز الرئيس الأميركي دونالد ترامب لفريقه التفاوضي، بمن فيهم نائبه ومبعوثاه الخاصان، بتعليق الانخراط في أي مفاوضات مباشرة مع طهران لعدة أسابيع، في تحوّل استراتيجي وُصف بالانتقال من محاولة “مهاجمة إيران” إلى نهج “خنقها تدريجياً” عبر تشديد العقوبات والضغط الاقتصادي. وبما أن الملف اللبناني، كما تُجمع معظم القراءات التحليلية، لا ينفصل عملياً عن مسار التفاهمات الأميركية - الإيرانية الأوسع، فإن أي تعثر أو تجميد في هذا المسار ينعكس مباشرة على وتيرة التقدّم في الملف اللبناني. ذلك أن واشنطن، التي تسعى إلى جعل اتفاق الإطار خطوة تمهيدية نحو ترتيبات إقليمية أشمل، تجد نفسها اليوم أقل استعجالاً على تحقيق اختراق سريع في روما، طالما أن المسار الإيراني نفسه في حالة سكون ، فيما تستمر معضلة مضيق هرمز من دون حل واضح وسط تناقض مواقف واشنطن وطهران على حد سواء ، في وقت لا تزال السفن التجارية التي تعبر المضيق عرضة لمضايقات متعددة الوجوه ما يقلص الحركة من جهة ويفقد كل من واشنطن وطهران ورقة اساسية ومفصلية في مسار المفاوضات .
 
في ضوء ما تقدم ، تتقاطع هذه العوامل وغيرها لترسم صورة واضحة: اتفاق الإطار لم يُلغَ ولم يُعلَن سقوطه رسمياً من أي طرف، لا لبنانياً ولا أميركياً ولا حتى إسرائيلياً، وهو ما يبقيه من الناحية القانونية والدبلوماسية “قائماً” كمرجعية وحيدة للمسار التفاوضي. غير أن واقع الحال على الأرض، من غياب وقف نار شامل، إلى تعثر تحديد مناطق نموذجية جديدة، إلى معضلة علي الطاهر، إلى الانقسام الداخلي حول جدواه، وصولاً إلى تجميد المسار الإيراني الذي يشكّل خلفيته الإقليمية، كل ذلك يجعل من تطبيقه الفعلي أمراً معلّقاً بانتظار مستجدات لم تنضج بعد. فالجولة الثامنة، التي لم يُحدَّد لها موعد رسمي نهائي حتى الآن رغم طرح مطلع أيلول موعداً أولياً، قد تنعقد شكلاً، لكنها لن تكون على الأرجح محطة اختراق جوهري، بل استمراراً لحالة “الستاتيكو” التفاوضي التي ميّزت الجولتين السادسة والسابعة. وهكذا يبقى لبنان أمام معادلة صعبة: اتفاق موقّع لا يملك آلية تنفيذ ملزمة، وضغط أميركي متقطع لا يرقى إلى مستوى الضمانة، ورفض داخلي معلن لا يصل إلى حد التعطيل الكامل. وبين هذه المعطيات المتناقضة، يبقى السؤال الأهم مفتوحاً: هل يستطيع لبنان أن يحوّل “وقف التنفيذ” هذا إلى فرصة لإعادة التفاوض على شروط أكثر توازناً، أم أن الجمود الحالي هو مجرد مقدمة لتصعيد ميداني أوسع تكون تلة علي الطاهر شرارته الأولى؟
 
المصدر: خاص "لبنان24"
مواضيع ذات صلة
تابع
Advertisement

أخبارنا عبر بريدك الالكتروني

إشترك

سامر حداد - Samer Haddad