تغيّرت طبيعة ملف النزوح السوري في
لبنان. فبعد سنوات كان السؤال فيها عن عدد النازحين وكيفية إعادتهم، برزت اليوم قضية مختلفة: من بقي في لبنان بعد موجات العودة، وما الوضع القانوني والاقتصادي لمن أعاد عائلته إلى
سوريا واستمر في العمل والإقامة هنا؟
وفي هذا السياق، كشف مصدر
برلماني لـ"لبنان24" أن جهات نيابية تطالب بإقرار قانون يسمح للبلديات باستيفاء رسوم خدمات من السوريين المقيمين ضمن نطاقها، أسوة باللبنانيين الذين يدفعون رسوماً بلدية مقابل إشغال المنازل والاستفادة من الخدمات المحلية. وبحسب المصدر، ينطلق الطرح من أن بقاء أي شخص بصورة دائمة داخل بلدة يرتب كلفة على البلدية، سواء لجهة رفع النفايات أو الصرف الصحي أو الإنارة وصيانة الطرق وتنظيم السكن. لكن البلديات لا تستطيع استحداث رسم جديد بقرار محلي، ما يستدعي نصاً يصدر عن مجلس النواب ويحدد نوع الرسم وقيمته وطريقة تحصيله.
كم سورياً بقي في لبنان؟
لا يوجد حتى الآن إحصاء لبناني موحد يحدد العدد الفعلي للسوريين الموجودين في البلاد. وتُظهر بيانات مفوضية
الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين وجود 889,625 سورياً ضمن السجلات الناشطة حتى نهاية حزيران 2026، موزعين على 232,455 أسرة.
ويتركز نحو 286 ألفاً منهم في
البقاع، و278 ألفاً في
بيروت وجبل لبنان، و238 ألفاً في
الشمال، ونحو 86 ألفاً في الجنوب. لكن هذه الأرقام لا تشمل جميع السوريين، لأن الحكومة
اللبنانية أوقفت تسجيل النازحين الجدد لدى المفوضية منذ عام 2015، ما يعني ان الارقام أكثر.
في المقابل، تقول المفوضية إن 672,699 سورياً معروفين لديها عادوا إلى سوريا منذ بداية عام 2025 وحتى نهاية تموز 2026. غير أن هذا الرقم يشمل العائدين المؤكدين، إضافة إلى أشخاص أُقفلت ملفاتهم بسبب الغياب
الطويل أو انقطاع التواصل. لذلك لا يمكن اعتبار كل ملف مغلق دليلاً على عودة نهائية.
السوري المستأجر يدفع قانوناً
تكشف مراجعة قانون الرسوم والعلاوات البلدية رقم 60/88 أن المشكلة ليست في غياب الرسم بالكامل، بل في ضعف تسجيل الإشغال والتحصيل. فالقانون يفرض رسماً سنوياً على شاغل البناء، سواء كان مالكاً أو مستأجراً، من دون ربط التكليف بالجنسية. ويبلغ الرسم 5% من القيمة التأجيرية للأماكن السكنية و7% للأماكن غير السكنية. كما يفرض رسماً سنوياً لصيانة المجارير والأرصفة يعادل 1.5% من القيمة التأجيرية. ويُلزم القانون المالك أو المستثمر بتسجيل عقد الإيجار لدى البلدية، ويجيز لها تخمين القيمة التأجيرية عندما يكون البناء مشغولاً من دون عقد مسجل. وهذا يعني أن السوري الذي يستأجر منزلاً ليس معفياً من الرسم البلدي من حيث المبدأ، تماماً كما لا يُعفى أي مستأجر أجنبي آخر. لكن قسماً كبيراً من السوريين يسكن عبر عقود غير مسجلة، أو ضمن وحدات يتقاسمها أكثر من شخص، أو في تجمعات غير منظمة. وفي هذه الحالات لا تدخل المساكن وأسماء شاغليها بصورة دقيقة في جداول التكليف البلدية.
ما الرسوم التي يمكن فرضها؟
إذا تحوّل الطرح النيابي إلى قانون، يمكن أن ينص على بدل واضح مقابل خدمات محددة، أبرزها رفع النفايات ومعالجتها، تنظيف الطرق، الصرف الصحي، الإنارة وصيانة البنية المحلية. كما يمكن ربط الرسم بالوحدة السكنية المشغولة أو بالنشاط التجاري، بدلاً من فرض مبلغ على كل فرد.
لكن فرض رسم خاص على السوري بسبب جنسيته يختلف قانونياً عن فرض بدل خدمة على كل مقيم. فالدستور ينص على أن الضرائب العامة لا تُفرض أو تُعدّل إلا بقانون، فيما يحصر قانون 60/88 صلاحية البلديات بالرسوم التي حدد أنواعها ومطارحها.
ولذلك يفترض بأي قانون جديد أن يطبق على إشغال المسكن أو الاستفادة من الخدمة، لا على الهوية
السورية وحدها، وأن يحدد قيمة موحدة للبناني والأجنبي، مع إصدار إيصالات رسمية وإدخال الأموال في موازنة البلدية. وقد سبق لوزارة الداخلية أن تدخلت عام 2017 بعد استيفاء بعض البلديات مبالغ غير قانونية من سوريين، وحجز أوراقهم الثبوتية من دون إعطائهم إيصالات.
العائلة تعود والرجل يبقى
تكشف أرقام العودة عن نمط جديد بدأ يتوسع. فقد عاد قسم من النساء والأطفال إلى سوريا، بينما بقي الأب أو أحد الرجال البالغين في لبنان للعمل وإرسال الأموال إلى الأسرة.
وبحسب تقرير المفوضية عن العائدين حتى نهاية تموز، عادت 87% من الأسر المستفيدة من برنامج العودة كعائلات كاملة. أما بين الأسر التي لم تعد مكتملة، فقد بقي رجال بالغون في لبنان لأسباب مرتبطة بكسب الرزق في 74% من الحالات. وكانت خطة العودة التي أطلقتها الحكومة اللبنانية بالتعاون مع الأمم المتحدة قد أخذت هذا الاحتمال في الاعتبار منذ البداية، إذ طُرح منح تصاريح عمل للمعيل الذي تبقى عائلته في سوريا، ولا سيما في الزراعة والبناء.
الدولار يُكسب في لبنان ويُنفق في سوريا
اقتصادياً، يؤدي بقاء المعيل في لبنان إلى استمرار حاجة قطاعات مثل الزراعة والبناء والتنظيف إلى العمال السوريين، لكنه ينقل جزءاً من الاستهلاك إلى سوريا.
فالعامل يتقاضى أجره في لبنان، ويدفع جزءاً منه للسكن والطعام والنقل، ثم يرسل الباقي إلى أسرته. والجزء المحول لا يُنفق في المتاجر والأسواق اللبنانية، بل يتحول إلى استهلاك داخل سوريا. وهذا يقلص أثر الأجر على
الدورة الاستهلاكية اللبنانية وعلى الإيرادات الناتجة من عمليات البيع.
لكن لا توجد أرقام رسمية حديثة تحدد حجم الأموال التي يرسلها العمال السوريون من لبنان. فجزء كبير من التحويلات يتم نقداً مع المسافرين أو عبر شبكات تحويل غير رسمية، ولا يظهر منفصلاً في البيانات المالية. كما لا يمكن اعتبار كامل أجر العامل خسارة للبنان، لأنه يساهم في الإنتاج وينفق جزءاً من دخله داخل البلاد.
العودة الدائرية
لا تعني مغادرة السوري الأراضي اللبنانية أنه استقر نهائياً في سوريا. فخلال الحرب الأخيرة في لبنان، سجلت السلطات اللبنانية والسورية مئات آلاف حالات العبور إلى سوريا، لكن نسبة محدودة فقط أعلنت نيتها البقاء بصورة دائمة. وفي حزيران، قالت المفوضية إن حركة الدخول من سوريا إلى لبنان استمرت لأسباب تتعلق بالعمل والتجارة والتعليم والعلاج والزيارات العائلية.
وتُعرف هذه الحالة بالعودة الدائرية حيث تنتقل العائلة إلى سوريا، يبقى المعيل في لبنان، ثم يعود بعض أفرادها عند تراجع الدخل أو تعذر السكن والعمل والخدمات. ويدعم هذا الواقع مسح أجرته المفوضية في حزيران 2026، إذ قال 7% فقط من السوريين الباقين في لبنان إنهم يعتزمون العودة خلال الأشهر الاثني عشر المقبلة. وتتمثل أبرز العوائق في السكن وفرص العمل والخدمات والأوضاع الأمنية.
ورغم تحسن بعض المؤشرات الاقتصادية في سوريا خلال 2025 و2026، يقدّر البنك الدولي كلفة إعادة الإعمار بنحو 216 مليار دولار، فيما لا تزال فرص العمل والسكن من أبرز احتياجات العائدين. وهذا يعني أن ضبط الدخول والإقامة وتنظيم العمل سيبقى جزءاً أساسياً من الملف حتى مع استمرار رحلات العودة. والمطلوب، وفق المعطيات الجديدة، ليس مجرد إضافة رسم على السوريين. الأولوية هي تسجيل كل مقيم وعقد إيجار وعامل، وتطبيق الرسوم الموجودة على الجميع، ثم إقرار أي بدل خدمات جديد بقانون واضح. من دون ذلك، قد تتحول الرسوم إلى جباية عشوائية، فيما يبقى عدد المقيمين وحجم العمالة والتحويلات المالية خارج أي إحصاء رسمي.