كتبت د. مهى محمّد مراد في "اللواء":
يشكلُ الدور الرقابي لمجلس النواب، أحدَ أبرز الأدوار التي يفترض أن تضطلع بها السلطة التشريعية في النظام البرلماني، إذ لا تقتصر مهمة المجلس على سنّ القوانين والتشريعات، بل تمتد إلى مراقبة أداء السلطة التنفيذية ومساءلتها عن كيفية ممارسة صلاحياتها وإدارة شؤون الدولة، فالرقابة البرلمانية ليست إجراءً شكلياً أو ممارسة مرتبطة بالخصومة السياسية، وإنما هي في جوهرها وسيلة لضمان حُسن سير المؤسسات العامة، واحترام الدستور والقوانين، وحماية المال العام، وتعزيز مبدأ المساءلة أمام المواطنين.
وتبرز أهمية هذا الدور في ظلّ اتساع مسؤوليات الدولة وتعدد الإدارات والمؤسسات العامة وتداخل الملفات المالية والإدارية والسياسية، فمجلس النواب، بوصفه ممثلاً للإرادة الشعبية، يمتلك أدوات دستورية وقانونية تسمح له بمتابعة أداء الحكومة والوزارات والإدارات العامة، والتأكد من أنّ السلطة التنفيذية تمارس صلاحياتها ضمن الحدود التي رسمها الدستور والقوانين.
وبالتالي، فإنّ أول مجالات الرقابة يتعلق بأداء السلطة التنفيذية، وفي مقدمتها مجلس الوزراء والوزارات المختلفة، فمن حقّ النواب، بل من مسؤوليتهم، طرح الأسئلة حول السياسات العامة والقرارات الحكومية، ومناقشة مدى انسجامها مع المصلحة العامة والبرنامج الذي التزمت به الحكومة، ولا تكتمل العملية الديمقراطية بمجرد تشكيل الحكومة ومنحها الثقة، بل يُفترض أن تستمرّ الرقابة عليها طوال فترة توليها مسؤولياتها.
وتكتسب هذه الرقابة أهمية خاصة عندما يتعلق الأمر بقرارات تمسّ حياة المواطنين بصورة مباشرة، سواء في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والمالية أو في ملفات الخدمات العامة والبنية التحتية والإدارة... فالسلطة التنفيذية، مهما كانت الظروف السياسية التي أتت بها، تبقى خاضعة للمساءلة، ولا يجوز أن تتحوّل المسؤولية الوزارية إلى سلطة غير قابلة للنقاش أو المحاسبة.
ولا تنحصر الرقابة البرلمانية بأداء الوزراء والحكومة، بل تشمل كذلك أداء الإدارات العامة المدنية والعسكرية، كلّ ضمن الأطر والصلاحيات التي يحددها الدستور والقانون، فالإدارة العامة هي الأداة التي تنفّذ من خلالها الدولة سياساتها وتقدم خدماتها للمواطنين، وأي خلل في عملها أو تجاوُز للصلاحيات أو تقصير في أداء الواجبات ينعكس مباشرة على علاقة المواطن بالدولة.
ومن هنا، تبرز أهمية متابعة أداء الإدارات والمؤسسات العامة، والتحقق من مدى احترامها للقوانين والأنظمة، ومدى اعتمادها معايير واضحة في التوظيف والتعيين والإنفاق واتخاذ القرارات، كما أنّ الرقابة على المؤسسات والأجهزة العسكرية والأمنية يجب أن تتمّ ضمن الأطر الدستورية والقانونية التي تحفظ استقلالية هذه المؤسسات وطبيعة مهامها، وفي الوقت نفسه تضمن خضوعها للقانون وعدم خروجها عن الصلاحيات الممنوحة لها.
ومن أكثر الملفات حساسية في العمل الرقابي مسألة المال العام، فالموازنة العامة ليست مجرد أرقام وجداول مالية، بل هي انعكاس مباشر لأولويات الدولة وخياراتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية. ولذلك فإن مراقبة كيفية إنفاق المال العام، والتأكد من توجيهه إلى الأهداف التي رصد من أجلها، تشكّل مسؤولية أساسية تقع على عاتق مجلس النواب.
وتتطلب الرقابة المالية متابعة الإنفاق العام، والتدقيق في الاعتمادات المرصودة، ومراقبة أوجه استخدامها، والتأكد من عدم وجود هدر أو إنفاق غير مبرر أو تجاوز للقواعد المالية. كما أن حماية المال العام لا تعني فقط اكتشاف المخالفات بعد وقوعها، بل يفترض أن تكون الرقابة وسيلة وقائية تساهم في منع الهدر وتعزيز الشفافية ورفع مستوى المسؤولية في إدارة موارد الدولة.