لم يتحدد بعد موعد لجولة تفاوضية جديدة بين
لبنان واسرائيل في روما، وسط استمرار الخلاف حول الانسحاب
الإسرائيلي وانتشار الجيش اللبناني وآليات تنفيذ الترتيبات الأمنية.
في المقابل، يتسع الفارق بين جمود المسار التفاوضي وتسارع التحولات الميدانية في جنوب لبنان، مع استمرار العدو الاسرائيلي في القصف والتجريف والتفجير وإحراق المنازل، مما يثير تساؤلات حول فرض وقائع جديدة تسبق أي تفاوض مقبل.
وسجّل يوم امس إحراق القوات
الإسرائيلية منازل في حولا وقصفها مدفعياً، وقصف زوطر الشرقية، وتنفيذ تفجيرات في عدشيت القصير وكفرتبنيت وأرنون. وفي القطاع الغربي، يواصل الجيش الإسرائيلي منذ الأحد، تجريف الحي الرابع في المنصوري بالتزامن مع قصف مدفعي، بعدما تعرضت البلدة ومزرعة بيوت السياد للقصف ليلاً وحتى الفجر، فيما سُجل تمشيط بالأسلحة الرشاشة باتجاه بيوت السياد وحداثا، وتحليق منخفض للمسيّرات فوق ضاحية
بيروت الجنوبية، وفوق صيدا وشرقها.
وتزامن ذلك مع اجتماع وزاري
دوري ترأسه رئيس الحكومة نواف سلام في السراي الحكومي، بحث ملف «اليونيفيل» وتداعيات انسحابها والفراغ المحتمل، مع تأكيد ضرورة استمرار الوجود الأممي في الجنوب.
وكتبت" الاخبار": لا تتعامل
إسرائيل مع مستقبل قوات «اليونيفل» في جنوب لبنان كمسألة قوات أممية فقط، بل كجزء من محاولة أوسع لتغيير هندسة العلاقة الأمنية مع لبنان، وهي عملية تبدأ من تقليص دور
الأمم المتحدة كوسيط ومراقب دائم، وتمرّ بتحميل الدولة والجيش اللبنانيين المسؤولية المباشرة عن نزع سلاح
حزب الله، وربط الانسحاب الإسرائيلي بتحقّق ميداني، لتصل إلى «إدارة الخلافات» عبر مفاوضات إسرائيلية - لبنانية مباشرة ولو برعاية أميركية.
عملياً، تستفيد إسرائيل من «اتفاق الإطار» الذي وقّعته السلطة
اللبنانية، كونه ينصّ على أن إسرائيل ولبنان يعتزمان حل
القضايا بينهما «كدولتين ذَوَاتَيْ سيادة من خلال مفاوضات ثنائية مباشرة، بوساطة ودعم الولايات المتحدة». كما ينص بالتوازي
على استعادة الجيش اللبناني «السيادة الفعلية» على الأراضي اللبنانية، بعد نزع سلاح الجماعات غير التابعة للدولة وتفكيك بنيتها بصورة قابلة للتحقّق، بما يسمح بانسحاب إسرائيلي تدريجي.
وعليه، يصبح نزع السلاح مساراً غير منفصل عن العلاقات الثنائية، بل الباب الذي تريد إسرائيل أن تدخل منه إلى تلك العلاقات، عبر صيغة عملية تبدأ بأن يُثبِت الجيش اللبناني قدرته على احتكار السلاح، قبل أن تؤكد ذلك جهة التحقّق (هنا تكمن أهميتها)، فتنسحب إسرائيل تدريجياً ويتم توسيع مناطق التطبيق، وعلى أثرها يتعمّق الحوار السياسي والأمني المباشر.
وتقول مصادر سياسية متابعة إن محادثات روما أظهرت أن هذا النموذج بدأ يتحوّل من نظرية إلى آلية عمل.
بالعودة إلى «جهة التحقّق»، يبدو أن إسرائيل لا ترفض «الرقابة» بحدّ ذاتها، بقدر ما تريد تغيير مَن يقوم بها وكيفية قيامه بذلك. في محادثات تموز الماضي نُقل عن مسؤول إسرائيلي قوله إن «اليونيفل» و«UNTSO» لن تكونا جزءاً من نموذج التحقّق الخاص بالمناطق التجريبية. فيما تحدّث مسؤول أميركي لاحقاً عن احتمال وجود طرف ثالث ضمن آلية دبلوماسية تقودها
الولايات المتحدة. هنا، يبرز إلى الواجهة في المداولات الإسرائيلية المُلحق الأمني لاتفاق الإطار، والذي أُبقي سرّياً بطلب لبناني، علماً أن النص الذي نشرته «الأخبار» لاحقاً، كشف عن وجود جسم جديد اسمه «Military Coordination Group for Lebanon) «MCG4L) يعمل على مدار الساعة، ومهمته منع الاحتكاك، إضافة إلى التحقّق والإشراف على التنفيذ، على أن يرفع تقاريره إلى المستويات السياسية عبر قنوات عسكرية بين الجيشين، علماً أنه جرى الحديث عن تنسيق غير مباشر. كما أن الانسحاب الإسرائيلي يُخطّط ويُوقّت بواسطة هذه المجموعة نفسها وليس بواسطة «اليونيفل» أو مجلس الأمن.
هنا تكمن النقلة الأساسية، فالبديل الحقيقي لـ«اليونيفل» ليس بالضرورة قوة واحدة بل منظومة متكاملة، تتشكّل من الجيش اللبناني و«MCG4L» إضافة إلى جهة ثالثة تحقّق بالتنسيق مع الولايات المتحدة إضافة إلى قناة إسرائيلية - لبنانية دائمة. ويحصل ذلك بعد استبعاد الأمم المتحدة من نموذج التحقّق الذي تريده إسرائيل، التي تعتبر المسألة بالنسبة إليها ليست مجرد تغيير اسم «اليونيفل» بل إخراج أجهزة الأمم المتحدة نفسها من الحلقة التي تقرّر ما إذا كان لبنان قد نفّذ التزاماته أم لا.
بالنسبة إلى إسرائيل، مَن يملك صلاحية القول إن قرية ما أصبحت «خالية من سلاح حزب الله» يملك عملياً مفتاح المرحلة التالية، ثم يجيب على سؤال عمّا إذا كانت إسرائيل ستنسحب منها أم تبقى؟ والمُلحق الأمني يشترط نجاحاً «قابلاً للتحقّق» قبل أي إعادة انتشار إسرائيلية جديدة. وبهذا تكون إسرائيل قد انتقلت من «نظام 1701 - اليونيفل» إلى «نظام الاتفاق الثنائي المشروط بالأداء». وهذا لا يعني بالضرورة إلغاء القرار 1701، بقدر ما يعني إزاحة «اليونيفل» كأداة التنفيذ والمراقبة الرئيسية واستبدالها بترتيب آخر تصبح بيروت بموجبه مسؤولة مباشرة أمام إسرائيل والولايات المتحدة عن إزالة السلاح والبنى العسكرية، فيما تربط إسرائيل انسحابها بنتائج ملموسة، وتشرف واشنطن على التحقّق والتسوية.