كتب طوني عيسى في" الجمهورية": مشكلة
لبنان لا تكمن فقط في أنه سرعان ما اضطر إلى الرضوخ للطلب الأميركي، ووافق على حضور المفاوضات ولو لم تتجاوب
إسرائيل مع طلب المناطق التجريبية. المشكلة الحقيقية هي أن إسرائيل نفسها ليست متحمسة أساساً لجولة مفاوضات جديدة ضمن المعطيات السائدة حالياً، أي ما دام لبنان الرسمي يتجنّب حسم ملف سلاح «حزب الله». واليوم، لا يتم تحديد موعد للجولة الثامنة، لا مراعاة للبنان بل لإسرائيل، وإذا كان الأميركيون قد أجبروا لبنان على حضور الجلسة في أي لحظة يتم فيها تحديد الموعد فإنهم على العكس، يراعون إسرائيل ما دام لبنان لا يتقدّم خطوة واحدة في ملف نزع السلاح. بل إن السفير عيسى تعمد على مدى أيام إطلاق مواقف متلاحقة تهدف إلى بلورة موقف أميركي حازم: «كفى مطالبة إسرائيل بمرحلة تجريبية ثانية أو وقف النار أو الانسحاب. اطلبوا من «حزب الله» أن ينفّذ خطوة فعلية وملموسة في اتجاه نزع سلاحه». هذا يعني أن الأميركي لن يضغط على إسرائيل لتنفيذ أي خطوة جديدة يطالب بها لبنان. ويعني تالياً أنه يراعيها في تحديد الموعد الذي يلائمها للجولة
الجديدة في روما؛ فواشنطن تقف إلى جانب إسرائيل في هذه النقطة تحديداً، لا إلى جانب لبنان. وهذا عامل ضغط حيوي وخانق لا يستطيع لبنان مواجهته على الإطلاق. لذلك، ثمة سؤال يجدر على الجانب اللبناني أن يدرك الجواب عنه، ليتبصّر طرق النجاة؛ ما الذي تريده إسرائيل فعلاً في الجنوب حالياً، وإلى أي حد تحظى أهدافها بدعم واشنطن؟
إسرائيل لن تذهب إلى أي طاولة جديدة مع لبنان إلا عندما تغيّر الوقائع على الأرض، وتجبر لبنان على اعتماد قواعد اشتباك جديدة. ويبدو أن واشنطن وافقت على الخطة، لذلك، هناك مزيد من التطورات سيشهدها الجنوب في الأيام والأسابيع القليلة المقبلة، إذا تحقق التغيير المطلوب، تنعقد الطاولة في روما، وإلا فالانتخابات
الإسرائيلية في تشرين الأول ستدهم الجميع. وهذه الانتخابات قد تؤجّل كل شيء إلى ما بعدها، لكنها أيضاً قد تكون عاملاً حاسماً للحسم جنوباً، إذا أراد نتنياهو استثمار «إنجازاته» في الجنوب اللبناني انتخابياً.
وكتب عماد مرمل في" الجمهورية": ذهبت مخيلة البعض أحياناً إلى حدود رسم سيناريو سياسي مكتمل للمفاوضات المباشرة بين
الولايات المتحدة وحزب الله، والبناء عليه في تقدير الموقف، من دون الأخذ في الحسبان أن هذا السيناريو يستند إلى حُبكة ضعيفة وخيوط هشّة، لا تتحمل النسيج عليها. فالمضمر في هذا الطرح هو أن المطلوب أميركياً حوار مع الحزب على ترتيب استسلامه وتسليم سلاحه وليس على تسوية متوازنة.
على الضفة الأخرى، رفع
الأمين العام لـ«حزب الله»، الشيخ نعيم قاسم، وتيرة الخطاب المتشدّد ضد الولايات المتحدة، حيث شنّ هجوماً عنيفاً على دورها وسياساتها، معتبراً أنها لا تصلح أن تكون وسيطاً بين لبنان والكيان
الإسرائيلي، وداعياً إلى استبدالها بوسيط آخر انطلاقاً من أن الحزب يرى فيها شريكاً كاملاً لتل أبيب في العدوان على لبنان.
أما ما أدلى به عضو المجلس السياسي في الحزب الوزير السابق محمود قماطي حول عدم إغلاق الباب نهائياً أمام احتمال التواصل المباشر مع
الأميركيين، فقد جرى تحميله أوزاناً سياسية ثقيلة تتجاوز حدود الموقف وحقيقة محتواه، وفق العارفين الذين يلفتون إلى أن كلام قماطي اندرج في إطار التكتيك السياسي، الذي رمى إلى إضفاء مساحة من الغموض المقصود على الموقف النهائي للحزب حيال إبداء ترامب انفتاحه على الحوار معه. وبهذا المعنى، فإن
مقاربة الحزب الاستراتيجية لمسألة العلاقة مع واشنطن لم تتغيّر بعد، وهي تستند في هذه المرحلة إلى الركائز الأساسية الآتية:
لا مفاوضة مع الأميركيين ما داموا منخرطين بكل قواهم في المواجهة الرامية إلى إسقاط
إيران و«حزب الله».
إن التفاوض مع واشنطن لمعالجة الوضع الجنوبي أو أي ملف تؤثّر فيه، إنما يتولاه حصراً الرئيس
نبيه بري.
إن الحزب لا يزال يعوّل على المسار
الإيراني لفرض وقف الاعتداءات الإسرائيلية والانسحاب من المناطق المحتلة في الجنوب.