بعد أسابيع تراجعت فيها حدة المواجهة الأميركية–الإيرانية المباشرة، وتقدمت إلى الواجهة العقوبات والحصار والمساومات حول مضيق هرمز، عادت الجبهة إلى السخونة دفعة واحدة. فقد استأنفت الولايات المتحدة ضرب أهداف داخل إيران، وردّت طهران بهجمات على مواقع أميركية في المنطقة، لتعود احتمالات التصعيد المباشر إلى الواجهة بعدما أخفقت المحاولات التي أعقبت تفاهمات حزيران في إنتاج تسوية أكثر ثباتًا.
بعيدًا عن هرمز بمئات الكيلومترات، يصعب على
لبنان التعامل مع عودة النار بوصفها تطورًا إقليميًا منفصلًا عنه. فقبل أيام فقط من الجولة الجديدة، أعاد أمين المجلس الأعلى للأمن القومي
الإيراني محسن رضائي إدخال لبنان صراحة في شروط أي تفاهم محتمل مع
واشنطن، واضعًا إنهاء الحرب على الجبهات، وخصوصًا في لبنان، والانسحاب
الإسرائيلي من الأراضي
اللبنانية بين مطالب طهران. وفي
بيروت، كان السفير الأميركي ميشال عيسى يقر في المقابل بأن الملف الأميركي–الإيراني مرتبط بالملف اللبناني بصورة غير مباشرة.
تأتي هذه العودة إلى الترابط الإقليمي فيما تحاول الدولة اللبنانية تثبيت مسار مختلف. فالرئيس جوزاف عون يتمسك بالدبلوماسية والمفاوضات للوصول إلى الانسحاب الإسرائيلي وإنهاء حالة العداء، فيما يدور النقاش الداخلي حول شروط التفاوض واتفاق الإطار ودور الدولة وحدها في إدارة الحرب والسلام. لكن اشتعال المواجهة بين واشنطن وطهران يضع إلى جانب هذا المسار اللبناني مسارًا أكبر منه، ويعيد سؤالًا بدا أن هدوء الصيف أخّره من دون أن يلغيه: إلى أي حد يستطيع لبنان فصل تسويته مع
إسرائيل عن الاشتباك الأميركي–الإيراني؟
لبنان داخل معادلة حزيران
لم يولد هذا السؤال مع ضربات أيلول. ففي ذروة حرب الربيع، أصرت طهران على إدخال وقف القتال في لبنان ضمن أي تفاهم أوسع مع الولايات المتحدة، فيما أعلن مسؤولون في "
حزب الله" ثقتهم بأن إيران لن تفصل الملف اللبناني عن مفاوضاتها مع واشنطن. وفي المقابل، كان وقف الحرب في لبنان أحد الملفات التي يمكن لاحتوائها أن تخفف مستوى المواجهة الإقليمية، بعدما تحولت الجبهة اللبنانية إلى واحدة من أكثر الساحات التصاقًا بالصراع بين إسرائيل وإيران.
ثم جاء وقف إطلاق النار في 20 حزيران في لحظة كان فيها المساران اللبناني والإقليمي يتحركان بالتوازي. لم يكن ذلك يعني أن واشنطن وطهران قررتا وحدهما مصير الجبهة اللبنانية، لكنه كشف أن مقدار النار في لبنان لا تحدده الحسابات المحلية وحدها. فالتهدئة الإقليمية خففت الضغط على الجنوب، فيما ساعد إخراج لبنان من المواجهة المفتوحة على تثبيت تلك التهدئة، في علاقة متبادلة يصعب معها رسم خط فاصل كامل بين المسارين.
منذ ذلك الحين، حاول لبنان تحويل وقف النار إلى مسار خاص به. بدأت المفاوضات مع إسرائيل، وطُرحت ملفات الانسحاب وانتشار الجيش والسلاح وآلية التحقق، وانتقلت اللقاءات إلى أكثر من محطة، فيما سعت الدولة إلى تثبيت أنها صاحبة القرار في تحديد الموقف اللبناني. إلا أن هذا المسار لم ينتج حتى الآن التسوية المطلوبة، فالانسحاب الإسرائيلي لم يكتمل، والضربات لم تتوقف، والخلاف على السلاح بقي قائمًا، ما يعني أن لبنان لم يبنِ بعد شبكة أمان تستطيع عزل الجبهة عن أي تبدل كبير في البيئة الإقليمية.
عندما تعود النار إلى طهران
هنا تكتسب الجولة الأميركية–الإيرانية الجديدة حساسيتها اللبنانية. فطهران لا تتحدث عن لبنان بوصفه ملفًا جانبيًا، وإنما تضع وقف الحرب فيه والانسحاب الإسرائيلي ضمن الشروط التي تريد إدخالها في أي تسوية أوسع. وفي الجهة المقابلة، تتمسك واشنطن بأن الحكومة اللبنانية هي الجهة الشرعية التي تتعامل معها، وبأن الدولة يجب أن تحتكر السلاح والقرار، من دون أن تنفي أن مسارها مع إيران يترك أثره على لبنان.
الترابط يمكن أن يعمل في الاتجاهين. فعندما تتقدم التسوية الأميركية–الإيرانية، تنخفض احتمالات توسع الحرب في لبنان، وقد يصبح تثبيت الهدوء أحد عناصر الصفقة الإقليمية. وعندما ينهار المسار بين الطرفين، ترتفع المخاطر حتى لو لم يتخذ "حزب الله" قرارًا بالعودة إلى المواجهة. فالسلاح ما زال موجودًا، وإسرائيل ما زالت تربط خطواتها على الأرض بمستقبله، وطهران ما زالت تعد الجبهة اللبنانية جزءًا من تصورها للصراع مع إسرائيل والولايات المتحدة. لذلك لا تعني سخونة الجبهة الإيرانية حربًا لبنانية تلقائية، لكنها تقلص مقدار الأمان الذي وفرته التهدئة الإقليمية طوال الأسابيع الماضية.
هذه المعادلة تضع الدولة أمام تحدٍّ أكثر تعقيدًا من مجرد التمسك بحقها في التفاوض. فهي تريد "لبننة" ملف الجنوب: لبنان يفاوض، والجيش ينتشر، ومسألة السلاح تعالج داخل المؤسسات. لكن تثبيت هذا المسار يحتاج إلى نتائج تمنحه قوة في الداخل، وفي مقدمها انسحاب إسرائيلي ملموس ووقف الاعتداءات وتقدم تفاوضي قابل للقياس. وكلما تأخرت هذه النتائج، بقي المجال أوسع أمام إيران لربط حل الجبهة بالتفاهم معها، وأمام "حزب الله" للتمسك بأن التوازن الإقليمي لا يزال جزءًا من معادلة الردع.
لا تعيد عودة النار بين واشنطن وطهران لبنان بالضرورة إلى نقطة الصفر، لكنها تضع المسار الذي بدأ بعد 20 حزيران أمام أول اختبار إقليمي ثقيل. فالدولة باتت أكثر حضورًا في التفاوض، وموقفها من حصرية القرار والسلاح أكثر وضوحًا، لكنها لم تحصل بعد على الانسحاب الذي تطالب به ولا على تسوية تثبت وقف الحرب. وبينما تعيد واشنطن وطهران رسم حدود المواجهة وشروط التفاوض بينهما، يعود السؤال اللبناني إلى الواجهة: هل نجحت الدولة في جعل الجنوب ملفًا مستقلًا بما يكفي للصمود أمام تبدل الرياح الإقليمية، أم أن حرارة الجبهة فيه ما زالت ترتفع وتنخفض مع حرارة الصراع الأكبر؟