احتلت تلة علي الطاهر في الأسابيع الأخيرة مركز الصدارة في الأحداث المرتبطة بالجنوب، ليس فقط بسبب موقعها الاستراتيجي المميز، وإنما بسبب ما تكشفه السيطرة عليها من دلالات عسكرية وسياسية تتجاوز مساحة التلة نفسها. فإعلان الجيش الإسرائيلي تحقيق "السيطرة العملياتية" عليها يعني أن إسرائيل لم تعد تتعامل معها كهدف عسكري مؤقت، بل كموقع تريد إدخاله في منظومتها الأمنية الجديدة جنوب لبنان.
لكن السؤال الذي يستحق أن يُطرح الآن ليس لماذا كانت التلة مهمة لإسرائيل أو لـ "
حزب الله"، فقد كُتب الكثير في هذا المجال، بل ماذا يمكن أن يتغير فعلياً بعد وضع الجيش الإسرائيلي يده عليها؟
أول التغييرات هو أن إسرائيل تكون قد أضافت إلى مواقعها المرتفعة في الجنوب نقطة تمنحها قدرة أفضل على الرصد والسيطرة النارية على مساحة واسعة، ولا سيما أن التلة تشرف على محيط النبطية وترتبط بسلسلة من المرتفعات ذات القيمة العسكرية. وهذا يعني أن أهميتها لا تقاس بمساحتها، بل بالمجال الذي يمكن مراقبته والتحكم به انطلاقاً منها.
لكن الأبعد من ذلك هو أن تلة علي الطاهر قد تتحول إلى نقطة ارتكاز في صيغة أمنية إسرائيلية تتجاوز فكرة السيطرة المؤقتة. فإسرائيل كانت تتحرك منذ أشهر في اتجاه إنشاء حزام أمني أوسع، وقد تعطي السيطرة عليها عمقاً إضافياً شمال حدودها. لذلك فإن المسألة لا تتعلق بتلة منفردة بقدر ما تتعلق بما إذا كانت إسرائيل ستستخدمها كجزء من شبكة مواقع مترابطة تفرض واقعاً ميدانياً جديداً.
وفي هذا الإطار تظهر المشكلة
اللبنانية، إذ أنه كلما توسعت إسرائيل في تثبيت مواقعها المرتفعة، يصبح التفاوض على الانسحاب منها أكثر تعقيداً. فالموقع الذي يدخل في منظومة مراقبة ودفاع يصبح، من وجهة نظر إسرائيل، ورقة أمنية، وليس مجرد أرض تحت السيطرة، وبالتالي قد تتحول تلة علي الطاهر من هدف عسكري إلى ورقة تفاوضية تستخدمها
تل أبيب في أي نقاش مقبل حول ترتيبات الجنوب.
ومن هذه الزاوية تحديداً يمكن فهم الاهتمام الأميركي بالموقع، إذ كانت تقارير سابقة قد تحدثت عن محاولات لإيجاد تسوية حوله بعيداً من مواجهة عسكرية واسعة. كما أن استمرار المعركة، قبل ساعة الحسم، حول التلة أظهر أن الملف مرتبط مباشرة بالتفاوض على مستقبل الترتيبات الأمنية في الجنوب.
أما بالنسبة إلى "حزب الله"، فإن خسارة الموقع لا تعني بالضرورة انهيار قدرته العسكرية في الجنوب، لكنها تعني خسارة إحدى النقاط التي كانت تمنحه أفضلية جغرافية. وهذا يفرض عليه، إذا أراد الحفاظ على قدرته على العمل في المنطقة، إعادة ترتيب انتشاره ووسائل رصده وحركته بعيداً من التلة.
لكن الخطر الأكبر على
لبنان قد يكون في مكان آخر، وهو أن تصبح "علي الطاهر" نموذجاً لما سيأتي بعدها. فإذا لم يترتب على السيطرة
الإسرائيلية على التلة رد فعل دولي أو تفاوضي يؤدي إلى انسحابها، فقد تشجع هذه النتيجة إسرائيل على تثبيت مواقع أخرى تراها ضرورية لأمنها. وعندها لا يعود السؤال متعلقاً بحدود "المنطقة الأمنية"، بل بحدود ما يمكن أن يصبح واقعاً دائماً في جنوب لبنان. وهذا هو الاختبار الحقيقي في المرحلة المقبلة.
فهل ستبقى تلة علي الطاهر موقعاً عسكرياً تحت السيطرة الإسرائيلية في انتظار تسوية سياسية، أم ستتحول إلى جزء ثابت من المعادلة الأمنية الجديدة؟
الجواب لن تحدده الجغرافيا وحدها، بل السياسة. فإذا نجحت
واشنطن في ربط الترتيبات الميدانية بمسار تفاوضي واضح، يمكن أن تصبح السيطرة الإسرائيلية ورقة مؤقتة قابلة للمساومة. أما إذا بقيت المفاوضات متعثرة واستمر تثبيت الوقائع على الأرض، فإن كل موقع جديد قد يصبح أكثر صعوبة في استعادته. ولذلك فإن معركة علي الطاهر الحقيقية قد تبدأ بعد سقوطها.
فالمواجهة اليوم لم تعد فقط على من يسيطر على التلة، بل على ما إذا كانت هذه السيطرة ستتحول إلى أمر واقع، ومن ثم إلى ورقة تفاوض، ثم إلى جزء من خريطة أمنية جديدة للجنوب. وهنا يصبح السؤال الأهم بالنسبة إلى لبنان: هل تستطيع الدولة أن تمنع تحويل المواقع التي تحتلها إسرائيل اليوم إلى حدود تفاوضية جديدة غداً؟
وفي هذا الإطار يأتي كلام رئيس الجمهورية
العماد جوزاف عون، الذي رمى
الكرة في الملعبين الأميركي والإسرائيلي مع استمرار المماطلة في تحديد موعد نهائي للجولة الثامنة من المفاوضات الثلاثية.