لم يشكل ما أوردته صحيفة "معاريف"
الإسرائيلية في عددها أول من أمس، أن الطريق إلى
بيروت والبقاع بات مفتوحاً بعد حدث سيطرة
إسرائيل العملياتية على تلة علي الطاهر أخيراً، صدمةً أو مفاجأة للمراقبين، بل كشف ما يجول في خاطر القيادة الإسرائيلية.
وكتب ابراهيم بيرم في" النهار": حفل الوسط السياسي والعسكري في تل أبيب بكثير من التأويلات والتكهنات عن مرحلة ما بعد علي الطاهر التي يفترض بحكم واقع الأمر ألا تكون كما قبلها، خصوصاً من الجانب
الإسرائيلي.
من هذا المنطلق، انفتح باب الاجتهاد حيال الاتجاهات والنقاط التي يمكن القيادة الإسرائيلية أن تركز جهدها عليها في قابل الأيام لكي تمارس مزيداً من الضغوط على الحزب وبيئته وعلى الوضع اللبناني عموماً، واستطراداً تقضم مزيداً من الجغرافيا الجنوبية من أجل إحكام الطوق على الحزب وإنهاكه وتشتيت ما تبقى من قواه. وهنا يعاد الاعتبار إلى استشرافٍ عسكري اعتُمد سابقاً، مبني على فرضية أن إسرائيل ستعاود في شكل أو آخر تكرار تجربة اجتياحها الواسع للأراضي
اللبنانية في صيف 1982.
وعليه، أعاد المحللون والخبراء العسكريون في بيروت الاعتبار إلى فرضية أطلقوها، فحواها أن إسرائيل ستمضي في عملية قضم الأرض كلما وجدت حاجة، لتمارس الضغط على
لبنان، وأن الوجهة ستكون حتماً مرتفعات إقليم التفاح وملحقاتها، لأنها إذا ما نجحت في السيطرة على هذا الهدف بما هو خط الدفاع الأخير للحزب جنوباً، فإن ما أوردته "معاريف" يكتسب أهميةً لكون السيطرة على تلك البقعة يبيح لإسرائيل السيطرة
على الطريق الذي يربط الجنوب بمنطقة البقاع
الغربي، والذي عمل الحزب على فتحه سابقاً لقطع خط التواصل بين البقاع وجنوب لبنان. وإن تحقق ذلك فتصبح عندها قاعدة الحزب الخلفية في البقاع
الشمالي خصوصاً في حكم المحاصرة والعديمة الفائدة، وبعده يصبح الزحف الإسرائيلي نحو الضاحية الجنوبية وبيروت أمراً متاحاً.
وكتبت بولا مراد في" الديار": استدراج
حزب الله إلى رد عسكري واسع قد يشكل، في الحسابات الإسرائيلية، سيناريو أكثر فائدة من استمرار الوضع القائم، لأنه يتيح إعادة ترتيب المشهد الأمني والسياسي، وربما توسيع المواجهة لتشمل
إيران، بما يضع نتنياهو في قلب معركة إقليمية يستطيع توظيفها داخلياً.
ويدرك حزب الله جيداً حسابات نتنياهو، ما يضعه أمام وضعية شديدة الصعوبة والتعقيد. فهو، من جهة، لا يريد ولا يبدو مستعداً للانجرار إلى الفخ الذي تنصبه له إسرائيل، عبر إعادة إشعال الجبهة اللبنانية في توقيت سياسي يخدم نتنياهو ويمنحه مبررات لتوسيع المواجهة. لكنه، من جهة أخرى، لا يستطيع البقاء متفرجاً أمام تصعيد بلغ مستويات مرتفعة جداً، لأن استمرار ضبط النفس والالتزام بوقف إطلاق النار قد يُفسَّر إسرائيلياً على أنه ضعف أو عجز، بما يشجع إسرائيل على المضي قدماً في توسيع نطاق عملياتها والتقدم ميدانياً وفرض وقائع احتلال جديدة، وهو ما يدركه الحزب جيداً أيضاً.
وتشير مصادر واسعة الاطلاع إلى أن الحزب "لا يزال يدرس خياراته بدقة، بعدما انتهج خلال الفترة الماضية سياسة تقوم على محاولة إيلام إسرائيل وإشعارها بأن جنودها ليسوا بمنأى عن الاستهداف داخل المنطقة الأمنية، من خلال المسيّرات التي كان يرسلها بين الحين والآخر. إلا أن استمرار التصعيد الإسرائيلي قد يدفعه إلى زيادة وتيرة العمليات السريعة والخاطفة في هذا السياق، وإن كان يدرك تماماً أن كلفتها ستكون مرتفعة".
يبدو أن حزب الله يقف أمام معادلة بالغة التعقيد: الرد بما يحفظ معادلة الردع من دون الانجرار إلى حرب واسعة، أو مواصلة ضبط النفس مع ما قد يترتب على ذلك من كلفة ميدانية وسياسية. وبين هذين الخيارين، تبدو حسابات الحزب أبعد من مجرد الرد على التصعيد الإسرائيلي، لتشمل توقيت المواجهة، وأهداف إسرائيل منها، ومسار التفاوض الأميركي ـ
الإيراني، فضلاً عن حجم الغطاء الايراني لأي خطوة قد يقدم عليها. لذلك، قد لا يكون السؤال في المرحلة المقبلة ما إذا كان الحزب سيرد أم لا، بقدر ما هو: كيف سيرد، ومتى، وبأي سقف، وهل سيتمكن من فرض معادلة تمنع إسرائيل من استثمار ضبط النفس للتقدم ميدانياً، من دون أن يمنحها في المقابل الذريعة التي تبحث عنها لتوسيع الحرب؟