تصفّح بدون إعلانات واقرأ المقالات الحصرية
|
Advertisement

لبنان

عام دراسي جديد أمام بيئة نفسية غير آمنة

رانيا عبيد - Rania Obeid

|
Lebanon 24
11-09-2026 | 02:30
A-
A+
عام دراسي جديد أمام بيئة نفسية غير آمنة
عام دراسي جديد أمام بيئة نفسية غير آمنة photos 0
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
A+
A-
يقترب العام الدراسي من الإقلاع، ومعه تعود الهموم المعيشية، وسط غلاء فاحش لا يهدأ، وغياب أي خطط اقتصادية جدية، وحرب لا تزال قائمة، لم تضع أوزارها بعد، بل تتجدد فصولها بين حين وآخر، تاركة العائلات في حالة ترقب دائم لا تعرف متى تنتهي. وما كان يُعرف يوماً بالطبقة الوسطى لم يعد له وجود فعلي، إذ تحوّلت غالبية العائلات إلى طبقة فقيرة بمعايير الحياة اليومية، تقف عاجزة أمام استحقاق يتكرر كل عام بقسوة أكبر: تأمين عودة الأولاد إلى المدرسة، فيما الحرب لا تزال حاضرة، والنزوح يتكرر، وإعادة الإعمار لا تزال وعوداً أكثر منها خطوات فعلية على الأرض.
وبعيداً عن الحسابات المادية من الأقساط والقرطاسية والكتب، هناك أزمة أخرى أقل حضوراً في النقاش العام: مدى استعداد الأطفال نفسياً لهذه العودة. فاليونيسف حذّرت في آخر تقييم لها من أن ما لا يقل عن مئة ألف طفل في لبنان مهددون بعدم العودة إلى مدارسهم هذا العام بسبب الأوضاع ولاسيما الأمنية منها.
فالضغط المعيشي والأمني معاً، وإن لم يُصرَّح به مباشرة أمام الأطفال، يصلهم عبر توتر خفي في المنزل، وحسابات دقيقة، وصمت يحلّ أحياناً محل الإجابات. وللأطفال النازحين تحديداً خصوصية أكبر، فمنهم من خسر بيته، وربما أحد أحبائه، وعاش تجربة الضحية بكل تفاصيلها، وانتقل من مدرسة إلى أخرى، وفقد أصدقاءه وذكرياته وألعابه، فجاء رفضه للعودة انعكاساً لتعب متراكم من حالة انتظار لا نهاية واضحة لها.


الخصوصية النفسية للطفل النازح

وفي هذا السياق، تؤكد الأخصائية والمعالجة النفسية ماري أبو هلون شاهين أن المتابعة النفسية الميدانية الموجهة للأطفال تُعد غير كافية وحدها، إذ إن فقدان الطفل لبيئته الآمنة يولد لديه مخاوف شمولية تُصعّب عملية التأقلم، رغم ما يتمتع به دماغه من مرونة تتطلب وقتاً لتجاوز الصدمة.
وترى ان الخصوصية النفسية للطفل النازح تتجلى في معاناته من حزن عميق نتيجة فقدان أغراضه الشخصية، كسريره ولعبه، ومساحته المجتمعية المتمثلة في جيرانه ورفاق اللعب، مما يعيق تقبّله للمحيط الجديد. يضاف إلى ذلك أثر الفوارق البيئية والثقافية، حيث ينتقل طفل القرية الذي اعتاد على الحرية واللعب المفتوح في الحارات والأحراش برفقة أقاربه إلى بيئة مادية أو حضرية ضيقة، مما يفقده نقاط ارتكازه النفسية ويجعله عرضة للتنمر بسبب اختلاف اللهجة أو مستوى المعيشة، فينجم عن ذلك شعور مستمر بالخوف ينعكس مباشرة على رغبته في الاندماج أو الذهاب إلى المدرسة.
وفيما يخص أثر الضغط المادي، يشعر الطفل بالضائقة المالية لأهله حتى من دون التصريح بها، مما يدفعه لحمل أعباء تفوق عمره وتجعله ينضج مبكراً. وتتأرجح ردود أفعال الأطفال تجاه هذا الوضع بين قطبين: الأول الرافض والثوري الذي يتجلى في التمرد والرفض الشديد باستعمال عبارات مثل "لا يهمني"، وهو سلوك يتأثر بعمر الطفل ومدى اعتياده سابقاً على تلبية طلباته. أما القطب الثاني فهو المستسلم الذي ينخرط في دور الضحية والتضحية الذاتية، حيث يرفض الطفل طلب حقوقه أو احتياجاته لتخفيف العبء عن أهله، مما قد يولد لديه رغبة في ترك المدرسة والتوجه للعمل.
أما عن سُبل المواجهة، فيبرز حسب هلون شاهين، دور الأهل في تجنب تحميل الطفل هموم الأعباء المادية، واليقظة لسلوكيات التضحية المبكرة التي يبديها، مع فتح باب الأمل من خلال الحوار التكيفي والمراقبة المستمرة لسلوكه لنقل مستجداته للمختصين.
وعلى صعيد الجهات الرسمية والأهلية، فرغم الجهود التي تبذلها نقابة النفسانيين ووزارات الصحة والتربية والشؤون الاجتماعية، فإن الوصول الشامل للجميع يستلزم مبادرة الأهل بالتواصل مع هذه الجهات، مع الإشارة إلى أن الدعم النفسي يظل محدود الأثر ما لم تقترن به مقومات الاستقرار المادي والبيئي التي تعيد للطفل أمانه وسكونه.

النزوح المتكرر وتهديد مستقبل التعليم

من زاوية اخرى، يربط رئيس جمعية "مبادرات وقرارات" الدكتور دال حتي عبر "لبنان٢٤" بين الضغوط النفسية للنزوح ومسار التعلم والتسرب المدرسي، موضحاً أن قدرة التلميذ على الاستيعاب والتحصيل الفعلي تتطلب منظومة أمان متكاملة تضم الأمان الفكري والمدرسي والعائلي والبيئي. وفي حال غياب هذه العوامل، يصبح حضور التلميذ شكلياً، مما أدى إلى ارتفاع ملحوظ في نسب التسرب المدرسي.
ويحذر حتي من أن تكرار النزوح لدى الأطفال ينذر بنشوء جيل شبه أمي، مما يرفع مخاطر الانحراف والاندفاع نحو المخدرات لغياب الآفاق التعليمية. يضاف إلى ذلك خطر أعمق يمس الالتزام الوطني؛ إذ إن رؤية الطفل لدمار أرضه وبيته وتشريد أهله تضعف ارتباطه بوطنه وتولد لديه شعوراً بالاغتراب والرفض.
وتتطلب هذه الأزمة حسب حتي، معالجة وطنية جذرية تجاوز الوعود والشعارات الإعلامية التي لا تحقق نتائج ملموسة على الأرض؛ فالأطفال هم الفئة الأكثر تضرراً من ظروف الحرب مقارنة بالفئات العمرية الأكبر. كما تزداد صعوبة الاندماج عند الانتقال بين بيئات ومناطق ذات خلفيات مختلفة، مما يصعّب التقبل بين الفريقين المضيف والمستضاف. ويشدد حتي على أن الملف يمثل قضية وطنية كبرى تستدعي تدخلاً مباشراً وشاملاً من أعلى مستويات الدولة، بدءاً من رئاسة الجمهورية ورئاسة مجلس الوزراء والنواب، لتقديم حلول مادية ومعنوية متكاملة.
 يبقى الرهان الأكبر على قدرة الأطفال الذين أنهكتهم الحرب والنزوح والضائقة المعيشية على خوض عام دراسي طبيعي. فإعادة الأطفال إلى التعليم تتطلب، قبل كل شيء، إعادة بناء البيئة الآمنة التي تسمح لهم بالتعلّم والاندماج والنمو.
Advertisement
المصدر: خاص "لبنان24"
مواضيع ذات صلة
تابع
Advertisement

أخبارنا عبر بريدك الالكتروني

إشترك

رانيا عبيد - Rania Obeid