كتبت "الاخبار": مع بداية العام الدراسي تضغط الفواتير المتعلّقة بالمدارس على مداخيل العائلات التي لم تعد تسأل عن قيمة الأقساط فقط، بل عن مجموع الفاتورة المدرسية المكوّنة من الكتب والقرطاسية والزيّ المدرسي والنقل وسائر المستلزمات. في المقابل، تتراكم زيادات تصل نسبتها إلى 30% على مداخيل الأسر التي لم تتحسّن بالوتيرة نفسها، دافعةً بعض الأهالي إلى نقل أبنائهم من مدرسة إلى أخرى، أو مغادرة التعليم الخاص نحو الرسمي.
ختلف الزيادات بين مدرسة وأخرى، وكذلك أسبابها. لكنّ الثبات في قيمة القسط لم يمنع الظروف الاقتصادية والأمنية من الانعكاس على أعداد التلامذة، مع انتقال بعض الأهالي من الضاحية إلى مناطق أخرى، ولا سيما أن المدرسة تقع في منطقة باتت تتأثّر مباشرة بواقع النزوح وعدم الاستقرار.
وفي مدارس المصطفى، بلغت الزيادة هذا العام نحو 10%. ويوضح المدير المركزي للمدارس، حسين
الزين، أن «الزيادة تهدف بصورة أساسية إلى تغطية فروقات التدرّج الوظيفي للعاملين». وتختلف الأقساط في مدارس المصطفى بحسب المناطق، إذ تراوح في مدارس
البقاع بين 1700 و1900 دولار، وفي
بيروت بين 1850 و2200 دولار، فيما تبدأ في
النبطية من 1800 دولار وتصل إلى 2000 دولار، بينما تقترب أقساط فرع صور من مستويات بيروت.
ويبلغ بذلك المعدّل الوسطي للقسط نحو 2000 دولار، فيما لم تسجّل كلفة الزي المدرسي أو القرطاسية أي زيادة. وبحسب الزين، بقيت حركة انتقال التلامذة محدودة عموماً، مع تسجيل انتقال طفيف من النبطية إلى مدارس المجموعة في بيروت.
من جهة ثانية، في الليسيه
الفرنسية في
فردان، لم تأتِ الزيادة بصورة مفاجئة هذا العام، تقول مصادر «الأخبار»، بل نتيجة مسار تدريجي امتدّ على السنوات الماضية، رُفعت خلاله الأقساط على مراحل، إلى أن وصل القسط هذا العام إلى مستوى يقترب من كلفة التعليم التي كانت سائدة قبل الأزمة، أي نحو 7 آلاف دولار.
ولا تختصر الأقساط كلفة العودة إلى المدرسة. فالكتب والقرطاسية باتت بنداً قائماً بذاته في حسابات الأسر، مع تفاوت الأسعار بحسب المدرسة والمناهج المُعتمدة. هنا، تقول زينب عيسى، وهي إحدى الأمهات، إن «الأقساط ارتفعت هذا العام على الرغم من وجود المدرسة في منطقة الضاحية الجنوبية، فيما يعيش الأهالي هاجس عدم استكمال العام حضورياً والعودة إلى التعليم عن بُعد، كما حصل خلال العام الماضي».
وبلغت كلفة الكتب التي اشترتها عيسى نحو 150 دولاراً، من دون احتساب سعر كتابَي اللغتين الفرنسية والإنكليزية، فيما سجّلت القرطاسية، ولا سيما الأقلام والمستلزمات المدرسية، ارتفاعاً ملحوظاً مقارنة بالعام الماضي.
بالنسبة إلى أهالٍ آخرين، لا تتوقف المشكلة عند حجم الزيادة، بل تمتد إلى غياب الرقابة الفعلية على كلفة التعليم ومستلزماته. وتشير إحدى الأمهات إلى أن بعض المدارس رفعت أقساطها بنحو 400 دولار مقارنة بالعام الماضي، من دون أن تشهد مداخيل العائلات تحسّناً يوازي هذه الزيادة، بالتزامن مع ارتفاع أسعار الكتب والقرطاسية وسائر الاحتياجات المدرسية.
وتنتقد غياب رقابة واضحة على المدارس أو أسعار الكتب، في وقت لم يعد فيه القسط سوى جزء من الكلفة التي تتحمّلها الأسرة إلى جانب الكتب والنقل والمستلزمات. ومع اشتداد الضغوط الاقتصادية، تحوّل الانتقال إلى المدرسة الرسمية، بالنسبة إليها، من خيار لم يكن مطروحاً سابقاً إلى أمر واقع، بعدما اضطرّت إلى إخراج أبنائها من التعليم الخاص.
الى جانب الاقساط بات الوصول إلى المدرسة رسماً مالياً يُضاف إلى الأقساط والكتب والقرطاسية والزي المدرسي. على أبواب العام الدراسي، بدأت أزمة ارتفاع أسعار المحروقات، فضلاً عن كلفة صيانة الحافلات وأجور السائقين، بالضغط على جيوب الأهالي، إذ رفعت من كلفة النقل المدرسي، ما يضيف عبئاً جديداً إلى نفقات الأسر المرتبطة بالتعليم. في بعض المدارس، ارتفعت بدلات النقل بنسبة وصلت إلى 40%، من 50 إلى 70 دولاراً شهرياً، فيما تجاوزت كلفة الاشتراك في مدارس أخرى 200 دولار للفصل الدراسي تبعاً للمسافة.
وأمام هذه الزيادات، وجدت العائلات نفسها مضطرة إلى
الاختيار بين الاشتراك في الحافلة المدرسية، وتحمّل كلفة التوصيل اليومي بالسيارة الخاصة، فيما تلجأ أسر أخرى إلى ترتيب نقل مشترك مع الجيران والأقارب لتقليص النفقات.
أيّهما أوفر وعلى الرغم من الزيادات التي طرأت على بدلات النقل التي تفرضها المدارس أو أصحاب الحافلات المتعاقدون معها، يميل عدد من الأهالي هذا العام إلى تفضيل النقل الجماعي، أي الباصات المدرسية، على التوصيل الفردي بالسيارات الخاصة. فمع احتساب كلفة البنزين وصيانة السيارة، إلى جانب الوقت والجهد المستنزّفيْن، بات التوصيل الفردي بالنسبة إلى كثيرين خياراً أكثر إرهاقاً وكلفة. وهنا، يوضح
جورج، وهو والد إحدى الطالبات في مدرسة Saint Roch School في القليعات (كسروان)، أنّه كان يدفع العام الماضي 170 دولاراً عن الفصل الدراسي الواحد، أي عن ثلاثة أشهر، قبل أن يرتفع البدل هذا العام إلى 200 دولار.
هذا في المدارس الخاصة، أما في المدارس الرسمية ومع انطلاق العام الدراسي رسمياً الإثنين المقبل، تحاول وزارة التربية إعادة المدارس إلى وظيفتها الأصلية، فيما لا تزال عشرات العائلات تقيم فيها بعدما دمّر العدوان منازلها أو جعل العودة إلى قراها غير ممكنة. هكذا، تحوّل استحقاق العودة إلى التعليم إلى موعد لنزوح جديد: مدارس تريد تلامذتها، ونازحون لا يملكون مكاناً آخر يذهبون إليه، فيما يقف أولاد هؤلاء في الجهتين معاً، كتلامذة يريدون هم أيضاً استعادة مدارسهم.
عدد من المدارس الرسمية غير جاهز بعد لاستقبال تلامذته. ففي روضة عمر الأنسي المختلطة الرسمية، لا يزال 113 نازحاً يقيمون في المبنى الذي يحتاج، بحسب مصادر، إلى أعمال «صيانة كبيرة». وفي هذه الظروف، يبدو التعليم الحضوري شبه مستحيل.