أحيت طائفة الموحدين الدروز الذكرى السنوية لزيارة مقام النبي أيوب في بلدة نيحا الشوف، في لقاء روحي - اجتماعي جامع، تحول خلاله المقام إلى منارة للتلاقي ووجهة سنوية لتجديد العهد على الثوابت الدينية والوطنية. شارك في المناسبة إلى جانب شيخ العقل لطائفة الموحدين الدروز الشيخ الدكتور سامي أبي المنى المشايخ: أبو زين الدين حسن غنام، أبو داوود منير القضماني، أبو فايز أمين مكارم ولفيف من المشايخ وأعضاء من المجلس المذهبي وموظفون من المجلس ومشيخة العقل، إضافة الى فاعليات دينية واجتماعية وتربوية، ورؤساء بلديات ومخاتير وهيئات بلدية واختيارية ونسائية وأهلية توافدت من الجبل ووادي التيم وسائر المناطق.
وألقى شيخ العقل كلمة جاء فيها: "من مقام النبي أيوب (ع) نطل على الشوف من عل، ونحن نستند إلى جبل الباروك الشامخ الراسخ على قيم المعروف والمحبة والبطولة، ونستظل عباءة الأرز والتاريخ والتوحيد، فتمتد آمالنا وأحلامنا من الماضي البعيد إلى المدى الجديد، حيث لنا في كل حقبة تاريخية ذكرى مجيدة، وفي كل موقع وطني معلم روحي، من البياضة الشريفة جنوبا إلى مزار الأمير السيد غربا، وإلى كل خلوة ومزار وبنيان روحي فوق تلال الجبل وسهول وادي التيم، وحيث التعلق بالأرض هو نوع من أنواع التعلق بالعقيدة والهوية، وحيث
المستقبل رهن تعلقنا بقيمنا الروحية والاجتماعية، ورهن ثباتنا في هذه الأرض ووحدتنا. ومن مقام النبي أيوب (ع) نعاهد أنفسنا وأهلنا بأن نبقى راسخين في إيماننا وتوحيدنا، معتزين بتاريخنا وتراثنا، محافظين على هويتنا الروحية، موحدين في مواجهة مشاريع التشويه والتغريب وأبواق السوء والترهيب، قيادة سياسية حكيمة نعتز بها وهيئة روحية توحيدية نستظل بركتها، معلنين، بكل ثقة ويقين، أننا لإسلامنا الأنقى مخلصون، وبإيماننا الأعمق لائذون، ولمسلك الإحسان والتوحيد الأرفع منتمون، وعلى نهج الأمير السيد (ق) سائرون، وبتعاليم السلف الصالح متمسكون. وفي كل مقام من مقاماتنا، ومن هذا المقام المبارك بالذات، نعيش لحظات الخشوع والسكينة والتأمل، ومن أرفع قمم التوحيد ومسالك التقوى نطل على معارج الحياة بخشوع ورجاء، لعل الإيمان في قلوبنا يرفعنا فوق تلال الهوى وهضاب المادة، ولعل العودة إلى الذات تنقذنا من الضلال والضياع، ونعمة الصبر والقرب من الله تعيد الأمل إلى اليائس، والعافية إلى السقيم، والطمأنينة إلى القلق، والراحة إلى المتعب المنهك، فينهض من جديد، ولعلها تثبت عزيمة القوي، وتشحذ إرادة المتمكن فيزداد تقدما في تطهير النفس وعمل الخير وخدمة المجتمع".
أضاف: "ومن مقام النبي أيوب (ع) وطبيعة موقعه الجذابة، حيث القمم العلية والسفوح الأبية، نطل كذلك على التاريخ بكل تضاريسه ومنعطفاته، لنشهد من هنا على الانتصارات والبطولات والتضحيات، وكذلك على الخيبات والانكسارات، ونؤكد أننا هنا باقون بعونه تعالى، وإن تكسرت الأغصان وتناثرت الأشلاء يوما، لكن جذور التوحيد ثابتة لا تنكسر، وإرادة البقاء قوية لا تتأثر برياح عدوانية من هذه الجهة أو بتيارات هدامة من تلك الجهة، وكم هي كثيرة وخطيرة تلك الرياح والتيارات؛ فكرية واقتصادية وعسكرية، داخلية وخارجية، تدفعنا حينا للانحناء والحذر كي لا تقتلعنا العاصفة، وأحيانا عديدة للتصدي البطولي كي نحفظ الأرض ونصون
العرض ونتمم الفرض، وتحثنا دائما للتسلح بالإيمان واليقين ووحدة الموقف قبل أي سلاح آخر، وللتخصل بخصال التوحيد والاجتماع على كلمة الحق، فالحق أحق أن يتبع، وللتوحد في مواجهة كلمة الباطل، فالباطل أولى أن يرفض وعنه يرتدع. إن العقيدة التوحيدية ثابتة، والتقيد بتعاليم حفظ الإخوان ليس اجتهادا، بل هو فرض واجب، والاختلاف في الرأي لا يجوز أن يخرجنا عن النهج الصحيح، ومشيخة العقل التي نمثل هي موقع ديني اجتماعي وطني، يخدم جميع أبناء الطائفة دون استثناء، ويعمل على ضمان حقوقها، وهذا ما يستوجب منا الرؤيا الشاملة وما يحتم علينا التحدث بمسؤولية بعيدا عن التجاذبات والمواقف الشخصية، وما يضع كل واحد منا أمام مسؤولياته، لتقديم ما أمكن من جهد لتعزيز وضع الطائفة، والوقوف سدا منيعا في وجه ما يحاك من مؤامرات لعزل أهلنا عن واقعهم، ولتشويه هويتهم وتفريق صفوفهم، فنحن روح واحدة؛ حقيقتنا ومظاهرنا ومعالمنا ومقاماتنا واحدة أينما كنا، فليتحمل كل منا مسؤولياته وليقدم ما هو أنسب لنصرة الطائفة وتوحيد صفوفها، ولنترك الأمور السياسية والتجاذبات الإقليمية لأهلها، فنحن، من موقعنا الديني، مطالبون قبل غيرنا بالتواصل فيما بيننا، والتعاون لمواجهة الخطر المحدق بأوطاننا".
وتابع: "أيها الأخوة والأخوات، أيها الأبناء الأعزاء، أنبياؤنا وحكماؤنا مناراتنا، بأنوارهم نهتدي وبتعاليمهم نقتدي؛ من الحكماء المعلمين الأوائل والأنبياء القدوة الأماثل، كالنبي أيوب (ع)، إلى الأنبياء والرسل الذين حملوا الرسالات السماوية، وأولئك الأصفياء الذين كان لهم الدور الأكبر في مؤازرتها بروح التوحيد والعرفان، وكالنبي شعيب (ع) الذي كان هاديا قومه إلى طريق الخير والعدل والاستقامة والأمانة وعدم الغش والخداع، ثم قادما إلى منطقة الجليل الأسفل في حطين، حيث مقامه الطاهر، وحيث كان له الدور الأكمل في قيام الشريعة، إتماما لأمره تعالى في نمو شجرة التوحيد ونضوج ثمارها، وقد غدا بالنسبة إلينا رمزا إيمانيا أرفع، مجسدا بدوره التوحيدي
الحكمة والحق والكمال الحقيقي، كما جسد النبي أيوب معنى الصبر والانتصار على المحنة، وكما جسد الأمير السيد التنوخي إرادة الرضا والتسليم والثبات، وأرسى نهج التقوى والتقية، بما يتجاوز عندنا حالة التعصب الديني والولاء السطحي والتعلق بالتكاليف وحجارة المكان وحسب، توقا إلى عيش الصفاء الروحي والولاء الصادق، وشوقا لرؤية النور المنبثق من بين أحجار المكان، إذ هو المعنى الحقيقي للحج والزيارة، بما فيه من الحب والشوق والطمأنينة، والإيمان الحق بأن الله وحده من وراء القصد، وفي ذلك قلنا:
كل الأماكن تبقى عندنا حجرا
إن لم ير النور في شوق نكابده
ليس المكان، ولكن ما نعمره
بالحب، والحب أغلى ما نشاهده
أما حبنا الأكبر وكنزنا الأغلى في كل تلك الرحلة الإيمانية الممتدة من زرع السادة الأوائل؛ أهل الحكمة والعرفان، إلى فصول الوحي الإلهي المتكاملة في الأديان، فإلى حقائق الإسلام والإيمان؛ فهو التوحيد الحق، ذلك النسغ المحيي والنبض الحي الذي لم ولا يتوقف، من قبل ومن بعد، وقد جرت آياته وأسفاره وتعاليمه على ألسن الحكماء والأنبياء والأحبار والصحابة الأخيار والأئمة الأبرار والسادة الأطهار الذين هم شموس هذه الدوحة الإيمانية وأقمارها ونجومها ومصابيحها الوهاجة وبهاء أنوارها، التي بها اهتدى المسلمون المؤمنون الموحدون عبر الزمن، وما زالوا يهتدون".
وختم: "ختاما، أيها الأحبة، أقول لكم في مثل هذا المكان وفي مثل هذا الزمان: ثقوا بأنفسكم وبالله، وتعلموا من صاحب المقام الصبر ومواجهة التحديات، واعلموا أن التوحيد هو سبيل الإنسان المؤمن إلى الخلاص، بما يتطلبه هذا السبيل من سعي حثيث ومسافرة دائمة في درجات
العلم والعمل، ومن جهد واجتهاد للسيطرة على النفس الأمارة بالسوء، اجتنابا ثم اكتسابا، ومن
التزام بالأوامر والنواهي، ومن اعتدال ومرونة، دون إفراط ولا تفريط، أملا بتحقيق الغاية الإنسانية والوصول إلى السعادة الحقيقية التي هي مطلب الروح، لا مطلب الجسد. مباركة زيارتكم، مقبول دعاؤكم، ومأجور سعيكم، قدرنا الله وإياكم للثبات على ما يرضيه وما يحصن النفوس والمجتمع، والشكر لكم على المشاركة والحضور، ولكل من واكب وعمل وساهم في تنظيم هذه الزيارة، من المصلحة الدينية والتربوية في المجلس المذهبي؛ الشيخ فاضل سليم وورفاقه، ووكيل المقام الشيخ كهيل ذبيان الذي له الفضل في صيانة المقام ورعايته، والجمعيات المشاركة والمتطوعين الأعزاء، آجركم الله جميعا، ولنرفع الدعاء وإياكم إلى الله تعالى بقلوب مؤمنة صادقة، راجين العفو والمغفرة عما مضى، والإعانة والتوفيق وصبر أيوب في مواجهة ما نحن قادمون عليه. زيارة مقبولة، بارككم الله وبارك عيالكم وأحباءكم، وكل عام وأنتم بخير".