إن إشعال "القبّولة" عشية عيد ارتفاع
الصليب في 14 أيلول هو تقليد بقي حيًا في مناطق لبنانية كثيرة، ولا سيما القرى الجبلية والجنوبية.
أما أصل هذه العادة، بحسب التقليد المسيحي المتوارث، فيرتبط بالقديسة هيلانة، والدة
الإمبراطور قسطنطين، التي يُنسب إليها اكتشاف خشبة الصليب في
القدس في القرن الرابع. وتقول الرواية إن النيران أُشعلت على المرتفعات لنقل خبر العثور على الصليب إلى مسافات بعيدة، باعتبار النار وسيلة اتصال سريعة في ذلك العصر.
ومن هنا جاءت فكرة النار التي تنتقل من تلة إلى أخرى، ومن قرية إلى قرية، حاملة خبر الصليب.
ولكن لماذا النار تحديدًا؟ هنا يدخل البعد الرمزي. فالنار في الذاكرة
المسيحية ليست مجرد وسيلة لإعلان الخبر، بل أصبحت رمزًا للنور الذي غلب الظلمة.
فالصليب ليس تمجيدا للموت أو للألم بحد ذاتهما، وهو كان في العالم القديم أداة إعدام وعار، إلاّ أنه تحوّل في المسيحية إلى علامة خلاص ورجاء وحياة وانتصار على الموت. وهذا هو جوهر العيد.
لذلك يمكن فهم تقليد "القبّولة" على ثلاثة مستويات:
الأول تاريخيًا، وهو أن النار هي لإعلان خبر العثور على الصليب.
والثاني روحيًا: وهو أنه يرمز إلى
المسيح الذي حوّل الصليب من علامة موت إلى علامة حياة.
ثالثًا اجتماعيًا، وهو أنها مناسبة تجمع أبناء القرى والعائلات والشباب حول تقليد متوارث عبر أجيال.
ولهذا ترى في
لبنان مشهدًا لافتًا ليلة العيد: نار على تلة، ثم نار على تلة مقابلة، ثم أخرى أبعد منها، وكأن الجبال نفسها تتبادل رسالة واحدة: الصليب مرفوع.
وفي بعض المناطق ارتبطت بـ "القبّولة" عادات شعبية إضافية، مثل القفز فوق النار أو الاستفادة من مياه الجمر، وهي ممارسات شعبية لا ينبغي الخلط بينها وبين الطقس الليتورجي الرسمي للكنيسة.
والأجمل في المعنى المسيحي لـ "القبّولة" أن النار لا ترمز إلى إحراق شيء، بل إلى إعلان شيء، أي إعلان أن ما بدا هزيمة على الجلجلة أصبح، في الإيمان المسيحي، طريقًا إلى
القيامة.
ولهذا ربما بقيت "قبّولة عيد الصليب" في الذاكرة
اللبنانية أكثر من مجرد عادة؛ إنها نار تحمل قصة إيمان من جيل إلى جيل.