تصفّح بدون إعلانات واقرأ المقالات الحصرية
|
Advertisement

لبنان

قلق فاتيكاني متصاعد حيال تطورات الجنوب

اندريه قصاص Andre Kassas

|
Lebanon 24
14-09-2026 | 02:00
A-
A+
قلق فاتيكاني متصاعد حيال تطورات الجنوب
قلق فاتيكاني متصاعد حيال تطورات الجنوب photos 0
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
A+
A-
لم يعد القلق الفاتيكاني حيال جنوب لبنان محصورًا في البيانات والنداءات الدبلوماسية. فالتقارير التي تصل بصورة متواصلة إلى دوائر الكرسي الرسولي، إلى جانب المعاينات الميدانية التي أجراها السفير البابوي في لبنان المونسنيور باولو بورجا خلال زياراته المتكررة إلى القرى الجنوبية، ترسم صورة مباشرة عن واقع الأهالي الذين يصرّون على البقاء في أرضهم على رغم القصف والتهديدات.
Advertisement
فالسفير البابوي لم يتابع التطورات من وراء مكتبه في حريصا، كما يفعل آخرون. فقد زار قرى جنوبية أكثر من مرة، والتقى الأهالي، ورافق قوافل مساعدات، وعاين عن قرب الظروف التي يعيشون فيها. وهذه المعاينات تكتسب أهمية خاصة بالنسبة إلى الفاتيكان، لأنها تنقل إلى روما صورة تتجاوز الأرقام والبيانات، لتصل إليها شهادة مباشرة عن بلدات يعيش أهلها تحت ضغط أمني وعسكري متواصل.
ومن هنا يتضاعف القلق في الدوائر الفاتيكانية، ليس فقط بسبب استمرار العمليات العسكرية، بل بسبب ما يمكن أن تتركه الوقائع الميدانية المتراكمة على مستقبل المنطقة.
وما يقلق البابا شخصيًا هو هذا السؤال: ماذا لو انتقلت إسرائيل من السيطرة العسكرية على مواقع وأراضٍ لبنانية إلى فرض وقائع جديدة يصعب التراجع عنها لاحقًا؟
هذه المسألة تختلف عن مجرد استمرار الاعتداءات اليومية. فالخطر يكمن في أن تؤدي الوقائع الميدانية، إذا استمرت، إلى تغيير تدريجي في المعادلة التي تحكم الأرض، بما ينعكس على وضعها السياسي والقانوني وعلى حقوق سكانها.
وهذه المخاوف تأتي في وقت أعلنت فيه إسرائيل "سيطرتها العملاتية" على تلة علي الطاهر ومناطق أخرى في جنوب لبنان، بالتزامن مع استمرار العمليات العسكرية، فيما لا يزال المسار السياسي الهادف إلى معالجة الوضع الحدودي متعثرًا.
ولذلك تكتسب قضية الأهالي الصامدين في قراهم أهمية خاصة. فوجودهم ليس مجرد مسألة إنسانية، بل يشكل عنصرًا أساسيًا في تثبيت الصلة بين الأرض وسكانها، في وقت تتعرض فيه قرى بأكملها لضغوط تدفع بعض أهلها إلى النزوح.
ومن الطبيعي، في ضوء هذه المعطيات، أن ينظر الفاتيكان إلى الجنوب من زاوية تتجاوز الحسابات العسكرية المباشرة. فالمسألة بالنسبة إلى الكرسي الرسولي ترتبط أيضًا بحماية السكان، واحترام سيادة لبنان، والحفاظ على الإطار الدولي الذي يحكم الحدود وحقوق الدول والشعوب.
وهنا تحديدًا يصبح الدور الفاتيكاني أكثر حساسية. فالفاتيكان لا يملك أدوات عسكرية، لكنه يملك قناة دبلوماسية وصوتًا أخلاقيًا قادرًا على مخاطبة العواصم المعنية، والتنبيه إلى خطورة تحويل الوقائع العسكرية إلى حقائق سياسية.
ولعل هذا هو جوهر القلق الذي تحمله التقارير الواردة من الجنوب إلى روما، إذ  ليس فقط ماذا يجري على الأرض اليوم، بل إلى أين يمكن أن تقود هذه الوقائع إذا لم تتوقف ضمن إطار سياسي وقانوني واضح. فكلما طال أمد الوضع الحالي، أصبحت مهمة إعادة تثبيت الاستقرار أصعب، وأصبح الحفاظ على حقوق لبنان وأهله أكثر إلحاحًا.
ومن هنا، فإن السؤال الذي قد يفرض نفسه أكثر فأكثر في الدوائر الدولية، وليس الفاتيكانية فقط، هو: هل المطلوب وقف إطلاق النار فقط، أم حماية مستقبل الأرض أيضًا؟
لكن الفاتيكان، بطبيعة دوره، لا يملك أدوات عسكرية لوقف هذا المسار. سلاحه هو الدبلوماسية والشرعية الدولية والضغط السياسي والأخلاقي. ومن هنا تحديدًا تكتسب التحذيرات أهميتها، لأن المسألة لم تعد فقط وقف القصف أو منع سقوط مزيد من الضحايا، بل منع تحويل السيطرة العسكرية إلى حقائق جديدة على الأرض، ثم استخدام هذه الحقائق لاحقًا لفرض شروط سياسية وقانونية على لبنان.
فالخطر الذي يستشعره الفاتيكان هو أن تستفيد إسرائيل من عامل الوقت لتوسيع هامش سيطرتها، وإعادة ترتيب الواقع الميداني، ودفع السكان إلى النزوح، ثم القول في مرحلة لاحقة إن ما استجدّ على الأرض أصبح أمرًا واقعًا لا يمكن تجاهله.
وهذا تحديدًا ما يجب التحذير منه بوضوح. فأي تغيير في وضع الأرض اللبنانية يُفرض بالقوة لا يجوز أن يتحول، مع مرور الوقت، إلى أساس لتسوية سياسية أو إلى واقع تعترف به الأطراف تحت ضغط الأمر الواقع. فإذا كان الاحتلال مرحلة عسكرية، فإن إنهاءه بالطرق الدبلوماسية ممكن. أما إذا جرى تثبيت نتائجه على الأرض، وربطها بترتيبات أمنية وسياسية جديدة، فإن لبنان لن يكون أمام مجرد انسحاب إسرائيلي ينتظره، بل أمام معركة أصعب لاستعادة ما تغيّر خلال فترة الاحتلال.
ولهذا فإن الرسالة التي يمكن أن يحملها الفاتيكان في المرحلة المقبلة يجب أن تكون مباشرة، إذ أن كل يوم يستمر فيه فرض الوقائع الميدانية قد يجعل تغييرها أكثر صعوبة، وأي تسوية مستقبلية يجب أن تنطلق من القانون الدولي وسيادة لبنان، لا من النتائج التي فرضتها القوة.
والسؤال الأخطر الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط ماذا سيحدث في الجنوب إذا استمرت العمليات العسكرية، بل هو يتعلق بنية إسرائيل في تغيير واقع الأرض أولًا، ثم مطالبة لبنان والعالم بالتفاوض على هذا الواقع لاحقًا؟
إذا كان هذا هو المسار، فالمطلوب دوليًا ليس انتظار التسوية، بل منع صناعة الأمر الواقع قبل أن يتحول إلى ورقة تفاوض.
المصدر: خاص "لبنان24"
مواضيع ذات صلة
تابع
Advertisement

أخبارنا عبر بريدك الالكتروني

إشترك
Author

اندريه قصاص Andre Kassas