تصفّح بدون إعلانات واقرأ المقالات الحصرية
|
Advertisement

لبنان

لماذا لم يلجأ "حزب الله" إلى خيار إسقاط الحكومة؟

اندريه قصاص Andre Kassas

|
Lebanon 24
19-09-2026 | 02:00
A-
A+
لماذا لم يلجأ حزب الله إلى خيار إسقاط الحكومة؟
لماذا لم يلجأ حزب الله إلى خيار إسقاط الحكومة؟ photos 0
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
A+
A-
سؤال حيّر جميع اللبنانيين، وبالأخص "البيئة الحاضنة" عن الأسباب التي أملت على "حزب الله" عدم حجب الثقة عن الحكومة على رغم أن مواقفه المعلنة حيال خياراتها الاستراتيجية ونهجها الداخلي لا توحي بوجود مساحة واسعة للتفاهم؟ السؤال لا يتعلق فقط بما جرى داخل قاعة المجلس النيابي، بل بما أراد الحزب أن يقوله من خلال امتناعه عن استخدام ورقة حجب الثقة، ثم خروجه من الجلسة من دون الدخول في مواجهة نيابية مباشرة مع الحكومة.
Advertisement

وفق قراءة عدد من المتابعين، فإن أحد الأسباب الأساسية يرتبط بطبيعة الاستحقاق نفسه. فحجب الثقة ليس مجرد تصويت سياسي احتجاجي، بل قرار دستوري يترتب عليه سقوط الحكومة إذا نالت الأكثرية اللازمة لحجب الثقة عنها، وهو ما يفتح فورًا الباب أمام مرحلة سياسية جديدة لا يملك أحد ضمان نتائجها، ومن بينها ربما عدم توزيره في الحكومة الجديدة. ولذلك، فإن الذهاب إلى إسقاط الحكومة يفترض أن يكون الحزب مستعدًا لتحمّل تبعاته السياسية، لا أن يكون الهدف مجرد تسجيل موقف أو رفع سقف الاعتراض.

وهناك عامل آخر لا يقل أهمية، وهو العلاقة مع رئيس مجلس النواب نبيه بري. فالحزب، بحسب العارفين، لا يزال حريصًا على إبقاء أعلى درجات الانسجام مع حليفه الاستراتيجي، ولا يريد أن تتحول جلسة الثقة إلى محطة شرخ داخل ما يُعرف بـ "الثنائي الشيعي". وفي الملفات التي تتصل بالحكومة وبالمرحلة المقبلة، يبدو أن الحفاظ على وحدة الموقف بين عين التينة وحارة حريك لا يزال عنصرًا أساسيًا في حسابات الطرفين.

ثم هناك الحساب النيابي البحت. فالحزب يعرف أن إسقاط الحكومة ليس بالأمر السهل، في ظل وجود كتلة وازنة من القوى النيابية الداعمة لها. وبالتالي، فإن الذهاب إلى معركة حجب الثقة من دون امتلاك القدرة على تأمين الأصوات اللازمة قد يحوّل محاولة إسقاط الحكومة إلى مناسبة لتثبيت قوتها بدل إضعافها. وفي السياسة، ليست كل معركة تستحق أن تُخاض لمجرد القدرة على رفع الصوت فيها.

لكن العامل الأهم، بحسب هذه القراءة، قد يكون خارج مجلس النواب أصلًا. فإسقاط الحكومة في هذه المرحلة يحتاج إلى تلاقي عاملين، أحدهما محلي والآخر إقليمي. داخليًا، لا تزال هناك قوى تفضّل استمرار الحكومة، وخارجيًا لم تنضج بعد التسوية التي تسمح بإعادة تركيب المشهد السياسي على قاعدة مختلفة. لذلك قد يكون الحزب قد اختار إبقاء ورقة إسقاط الحكومة في جيبه بدل استخدامها في معركة يعرف مسبقًا أن ظروفها لم تكتمل.

وهنا تبرز المفارقة التي تجعل مسألة علي الطاهر أكثر حساسية. ففي الوقت الذي كان فيه نواب الحزب يغادرون جلسة الثقة اعتراضًا على خيارات الحكومة، كانت الوقائع الميدانية في الجنوب تتغير بسرعة. ومن وجهة نظر منتقدي الحزب، كان يمكن للانسحاب من موقع علي الطاهر وتسليمه إلى الجيش أن يحمل رسالة مختلفة تمامًا إلى البيئة الجنوبية والشيعية: أن الحزب لا يتمسك بالموقع لذاته، وأنه يفتح الطريق أمام الجيش ليتولى مسؤولية الأرض، بدل أن تتحول السيطرة الإسرائيلية على الموقع إلى صورة تُستخدم ضده سياسيًا وشعبيًا.

لكن هذه المقارنة تبقى سياسية وليست واقعة يمكن الجزم بأن الحزب اتخذ قراره على أساسها. فالحزب يقدّم مواقفه في الجنوب ضمن حسابات أمنية وميدانية مرتبطة بالصراع مع إسرائيل، بينما يرى خصومه أن استمرار هذا النهج هو بالضبط ما يضعه أمام مأزق أكبر في بيئته، التي تواجه للمرة الأولى بهذا الوضوح سؤالًا قاسيًا: ماذا بعد أن تتقدم إسرائيل على الأرض، وماذا يفعل الحزب عندما يصبح الجيش هو الجهة الرسمية التي يفترض أن تتولى حماية هذه الأرض؟

ومن هنا، قد يكون امتناع "حزب الله" عن حجب الثقة عن الحكومة أكثر دلالة من لو أنه حجبها. فهو لم يمنحها تفويضًا سياسيًا، لكنه في الوقت نفسه لم يذهب إلى معركة إسقاطها. وهذه منطقة رمادية مقصودة ربما.

وإذا صحّت هذه القراءة، فإن الحزب لا يبدو في وارد استخدام كل أوراقه دفعة واحدة. فهو يحتاج إلى إبقاء قنواته مفتوحة مع بري، ويراقب موازين القوى داخل المجلس، وينتظر ما ستؤول إليه التطورات الإقليمية والجنوبية قبل أن يقرر ما إذا كان إسقاط الحكومة يخدم مصالحه فعلًا أم يفتح عليه مواجهة لا يملك شروطها.

أما السؤال الأصعب، فهو ليس لماذا لم يسقط الحزب الحكومة الآن، بل ماذا ينتظر حتى يستخدم هذه الورقة، هل ينتظر تبدلًا في الموقف الإقليمي، أم تبدلًا في ميزان القوى الداخلي، أم أن الحكومة نفسها ستضطر، بفعل التطورات المقبلة، إلى إعادة النظر في بعض خياراتها؟

وفي الجنوب، يبقى السؤال الآخر أكثر قسوة: إذا كان الحزب قد اختار عدم إسقاط الحكومة، فهل كان يستطيع أيضًا أن يختار، في علي الطاهر، أن يسلّم الموقع للجيش قبل أن يصبح انسحابه منه جزءًا من رواية إسرائيلية عن انتصار ميداني جديد؟

بين ورقة حجب الثقة وورقة علي الطاهر، تبدو المسألة واحدة في جوهرها: متى يقرر "حزب الله" أن انتقال بعض أوراق القوة من يده إلى يد الدولة ليس خسارة، بل جزء من الخروج من المأزق؟
 
المصدر: خاص
مواضيع ذات صلة
تابع
Advertisement

أخبارنا عبر بريدك الالكتروني

إشترك
Author

اندريه قصاص Andre Kassas