شكّل الاجتماع التحضيري الذي عُقد في باريس يوم الخميس الماضي في إطار المؤتمر الدولي لدعم الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي، محطة لافتة في المسار الذي يحاول لبنان الرسمي رسمه لإعادة بناء مؤسسته العسكرية وتعزيز قدرتها على الاضطلاع بمهامها الوطنية، وفي مقدّمها بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها وصولاً إلى الحدود الجنوبية ، فيما تبقى مسألة حصرية السلاح إلى وقت لاحق . غير أن هذا الاجتماع، على أهميته الرمزية والسياسية، لا يمكن قراءته بمعزل عن التعقيدات الإقليمية والدولية التي تحيط بالملف اللبناني، وعن التجاذبات التي تتحكم بمصير أي مبادرة تتصل بتسليح الجيش وتحديد هويته الوظيفية.
أولاً: إيجابيات الاجتماع
لا يختلف اثنان على أن انعقاد هذا الاجتماع بحد ذاته يحمل دلالات إيجابية متعددة، أبرزها أنه عكس رغبة حقيقية لدى عدد من الدول المشاركة في تقديم المساعدة للجيش ، سواء عبر التجهيز أو التدريب أو الدعم اللوجستي. هذه الرغبة، وإن كانت متفاوتة الحجم والوتيرة بين دولة وأخرى، تشكل مؤشراً على أن المجتمع الدولي لم يدر ظهره بالكامل لملف الاستقرار اللبناني، وأن هناك من لا يزال يراهن على الجيش كضمانة أساسية لمنع الانزلاق نحو الفوضى أو الفراغ الأمني في المرحلة المقبلة.
كذلك، فإن مجرد التئام مؤتمر دولي بهذا الحجم، برعاية فرنسية واردنية وبمشاركة عدد من الدول الشقيقة والصديقة، يُبرز ثقة دولية متجددة بالمؤسسة العسكرية
اللبنانية، بوصفها المؤسسة الوطنية الجامعة التي حافظت، رغم كل الأزمات التي عصفت بالبلاد، على تماسكها ووحدتها وحيادها عن الصراعات الداخلية. هذه الثقة ليست أمراً هيّناً في ظل المشهد الإقليمي المضطرب، وهي تمنح الجيش هامشاً إضافياً من الشرعية الدولية يعزز موقعه في أي استحقاق مقبل.
والأهم من ذلك أن الاجتماع جاء ليشكل دعماً سياسياً غير مباشر للتوجه اللبناني الرسمي، الذي يتبناه رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، والقاضي بحصرية السلاح بيد الدولة وبسط سلطتها على كامل الأراضي اللبنانية، بما فيها المناطق الجنوبية التي لا تزال تشهد خروقات واعتداءات إسرائيلية متكررة. فحين تلتقي دول العالم على طاولة واحدة لبحث سبل دعم الجيش، فإن ذلك يرسل رسالة مفادها أن الخيار اللبناني الرسمي يحظى بتفهم دولي، وأن الرهان على مؤسسات الدولة الشرعية لا يزال قائماً، في مقابل أي رهان على قوى أو أطر خارجة عن الشرعية.
يضاف إلى ذلك أن مثل هذه الاجتماعات تتيح للقيادة اللبنانية، ولا سيما رئاسة الجمهورية وقيادة الجيش، فرصة لعرض احتياجات المؤسسة العسكرية بشكل مباشر أمام صناع القرار الدوليين، وتوضيح الفجوة القائمة بين حجم المهام الموكلة إلى الجيش، من ضبط الحدود ومكافحة الإرهاب وصولاً إلى نشر قواته جنوب الليطاني، وبين الإمكانات المتاحة له فعلياً. وهذا التوضيح، إذا ما أُحسن استثماره، يمكن أن يترجم مستقبلاً بمساعدات ملموسة تسهم في سد بعض هذه الفجوات. وبدا في اجتماع باريس أن تفهماً واضحاً ظهر من المشاركين يتقدمهم الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون والعاهل الأردني الملك عبدالله الثاني ابن الحسين لموقف لبنان . كما لقيت كلمة قائد الجيش العماد رودولف هيكل إصغاء واهتماماً وصدى ايجابياً . علماً ان اسئلة عدة طرحت في الاجتماع المغلق كانت صراحة قائد الجيش القاسم المشترك في الاجوبة عليها .
ثانياً: سلبيات الاجتماع
في المقابل، لا يمكن التغاضي عن أن انعقاد اجتماع دولي لدعم الجيش يحمل في طياته إقراراً ضمنياً بضعف الدولة اللبنانية وعجزها عن تلبية احتياجات مؤسستها العسكرية من مواردها الذاتية. وهذا الإقرار، وإن كان واقعياً، إلا أنه يحمل كلفة سياسية لا يستهان بها، إذ يمنح كلاً من
إسرائيل و"
حزب الله" حججاً إضافية للتمسك بمواقفهما المتصلبة.
فمن جهة، تجد إسرائيل في ضعف الجيش اللبناني، الذي يبرزه الحاجة إلى دعم دولي استثنائي، ذريعة لتبرير استمرار احتلالها لمواقع لبنانية واستمرار خروقاتها الجوية والبرية، بحجة أن الجيش اللبناني غير قادر على ضبط الحدود ومنع أي نشاط معادٍ، وبالتالي فإن الانسحاب
الإسرائيلي الكامل يبقى مرهوناً بشروط قد لا تتحقق في المدى المنظور. وهذا المنطق، وإن كان مجافياً للقانون الدولي ولالتزامات إسرائيل بموجب القرارات ذات الصلة، إلا أنه يجد في الاجتماع الباريسي مادة دعائية إضافية. ولعل ما ورد في كلام السفير الأميركي
في إسرائيل من ان الجيش الإسرائيلي سيبقى في جنوب لبنان حتى يصبح جيشه قوياً ، خير " شهادة" إضافية سوف تستغلها إسرائيل لتبرر تعزيز احتلالها لقرى وبلدات جنوبية وعدم الرد على الطلبات اللبنانية لواشنطن بالتدخل لتحقيق انسحاب ولو كان جزئيا !
ومن جهة أخرى، يستثمر "حزب الله" الصورة ذاتها لتبرير تمسكه بسلاحه، متذرعاً بأن الدولة اللبنانية، من خلال جيشها الذي يحتاج إلى مساعدات خارجية ليقوم بأبسط واجباته، عاجزة عن حماية الجنوب وأهله في مواجهة الاعتداءات
الإسرائيلية المستمرة، وأن السلاح "المقاوم" يبقى الضمانة الوحيدة القادرة على الردع وحماية السكان. وهكذا يجد "الحزب " في الاجتماع نفسه، الذي يُفترض أن يخدم مسار الدولة، حجة تُستخدم لتقويض هذا المسار وإطالة أمد ازدواجية السلاح في لبنان.
هذا التناقض الجوهري، القائم على استثمار الطرفين المتناقضين، إسرائيل و"حزب الله" ، للحجة ذاتها ولكن باتجاهين متعاكسين، يكشف عن هشاشة الموقع الذي تقف فيه الدولة اللبنانية، إذ تجد نفسها محاصرة بين رواية تُستخدم لتبرير الاحتلال، ورواية تُستخدم لتبرير بقاء السلاح غير الشرعي، فيما تبقى مؤسستها العسكرية، وهي حلقة الوصل الوحيدة بين الروايتين، في موقع الحلقة الأضعف.
في اي حال ، لا يمكن قراءة اجتماع باريس بمعزل عن الموقف الأميركي منه، وهو موقف اتسم بفتور واضح وعدم حماسة لإنجاح هذه المبادرة الفرنسية. فواشنطن، التي دأبت منذ سنوات على الاحتفاظ بحصرية شبه كاملة في تزويد الجيش بالتجهيزات العسكرية وفي الإشراف على برامج تدريبه، لا تبدي ارتياحاً لأي محاولة فرنسية للعب دور موازٍ أو منافس في هذا الملف، حتى لو كان هذا الدور مكمّلاً من حيث الظاهر .
فالولايات المتحدة تدرك أن حصريتها في تسليح الجيش تمنحها أداة نفوذ مباشرة على القرار العسكري اللبناني، وهي أداة لا ترغب في مشاركتها مع أي طرف دولي آخر، بما في ذلك فرنسا التي تربطها بلبنان علاقات تاريخية وثيقة. ويزداد هذا التحفظ الأميركي حدّة حين يُطرح احتمال تقديم باريس مساعدات عسكرية فرنسية مباشرة للجيش ، إذ ترى واشنطن في ذلك تهديداً محتملاً لموقعها الحصري، فضلاً عن أنها لا تريد أن تتحول فرنسا إلى لاعب مؤثر في تحديد شكل ومضمون الدعم العسكري الذي يحصل عليه لبنان.
يضاف إلى ذلك بعد سياسي أكثر حساسية، يتصل بالموقف الفرنسي الرافض للاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على لبنان، وهو موقف عبّرت عنه باريس مراراً على المستويين الرسمي والدبلوماسي، في وقت تلتزم فيه واشنطن عموماً بموقف أكثر تفهماً، إن لم يكن داعماً، للسردية الإسرائيلية المتعلقة بـ"حق الدفاع عن النفس". هذا التباين في المقاربة السياسية تجاه إسرائيل يجعل واشنطن أكثر حذراً من منح باريس أي دور تسليحي أو عسكري مباشر تجاه لبنان، خشية أن يُترجم هذا الدور لاحقاً بموقف فرنسي أكثر جرأة في مواجهة السياسات الإسرائيلية في المنطقة، أو بمزيد من الضغط الدولي على إسرائيل لوقف اعتداءاتها. وكان لافتاً أن المشاركة الأميركية في اجتماع باريس التحضيري لم تكن عسكرية بل ديبلوماسية اذ ضمت اعضاء الوفد الاميركي الذي يتولى المفاوضات مع الوفدين اللبناني والاسرائيلي إضافة إلى السفير الاميركي في لبنان ميشال عيسى. ويروي ديبلوماسيون حضروا اجتماع باريس ان الوفد الاميركي لم يخفِ انزعاجه مما تضمنته كلمة الرئيس ماكرون من انتقاد مباشر لعدم تدخل الرئيس الاميركي
دونالد ترامب لوضع حد للاعتداءات الاسرائيلية على لبنان ، لاسيما وان واشنطن ترعى " اتفاق الاطار" الذي لا يزال حبراً على ورق !
في الخلاصة، يبقى اجتماع باريس، بما حمله من إيجابيات وسلبيات، محطة مهمة لكنها غير كافية بذاتها. فهو أظهر تعاطفاً دولياً مع الجيش وثقة متجددة بدوره الوطني الجامع، لكنه في الوقت نفسه كشف هشاشة موقع الدولة اللبنانية، وأعطى ذريعة لكل من يريد التذرع بضعفها لتبرير مواقفه، سواء كان احتلالاً أو سلاحاً خارج الشرعية. كما أنه اصطدم بحسابات النفوذ الدولي، ولا سيما الأميركي منها، التي لا تريد لأي طرف آخر أن ينازعها موقعها الحصري في تحديد مستقبل الجيش.
من هنا، فإن اجتماع باريس بحاجة إلى متابعة جدية ومستدامة، تترجم التعهدات السياسية إلى خطوات عملية ملموسة على الأرض، وتحوّل التعاطف الدولي إلى التزامات فعلية بعيداً عن حسابات النفوذ والتنافس بين الدول الداعمة. كما أن الدولة اللبنانية مدعوة، في موازاة استثمارها لهذا الزخم الدولي، إلى تعزيز خطابها السيادي الذي يؤكد أن بناء قدرات الجيش ليس تعبيراً عن ضعف الدولة، بل هو استثمار استراتيجي في مؤسسة وطنية جامعة، تشكل الضمانة الحقيقية لاستعادة لبنان سيادته الكاملة على كامل أراضيه، بمعزل عن أي حسابات إقليمية أو دولية متضاربة. لكن السؤال يبقى : هل هذه الحكومة - التي خرجت بثقة هزيلة من جلسات المناقشة في مجلس النواب قبل ايام - قادرة فعلا على استثمار البعد الدولي لاجتماع باريس فتتصرف على نحو مغاير لتصرفاتها الراهنة التي تنم عن إرباك وضياع وقلة خبرة في مقاربة الشؤون الوطنية بعيدا عن الحسابات الشخصية والمصالح الضيقة !؟