لم يكن يوم اغتيال الأمين العام لـ"حزب الله" حسن نصرالله، في 27 أيلول 2024، يوماً منفصلاً عن سياقه. ففي الساعات الأربع والعشرين التي سبقته، كانت المنطقة تعيش سباقاً بين محاولة دولية لوقف النار وبين تصعيد إسرائيلي متسارع استهدف قيادات الحزب وبنيته العسكرية، قبل أن تصل الضربات إلى رأس الهرم في الحزب.
الخميس 26 أيلول.. هدنة مطروحة والحرب تتصاعد
قبل يوم واحد من اغتيال نصرالله، كانت الولايات المتحدة وفرنسا تقودان تحركاً دولياً لفرض وقف مؤقت لإطلاق النار لمدة 21 يوماً بين لبنان وإسرائيل، بهدف فتح الباب أمام تسوية دبلوماسية ومنع الانزلاق إلى حرب أوسع.
وجاء الاقتراح بدعم دول عدة، بينها السعودية والإمارات وسط اعتقاد بأن نافذة للحل السياسي قد تكون ما زالت مفتوحة.
لكن إسرائيل اتخذت اتجاهاً معاكساً، ففي 26 أيلول، أعلن وزير الخارجية الإسرائيلي يسرائيل كاتس أنه "لن يكون هناك وقف لإطلاق النار في لبنان"، بينما قال مكتب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إن الأخير أمر الجيش بمواصلة القتال "بكامل القوة". وبعد ذلك بفترة قصيرة، أعلن الجيش الإسرائيلي شن موجة جديدة من الغارات على لبنان.
وفي اليوم نفسه، تلقى "حزب الله" ضربة جديدة في الضاحية الجنوبية لبيروت، إذ استهدفت غارة إسرائيلية محمد حسين سرور، قائد الوحدة الجوية في الحزب، ما أدى إلى مقتله. ووفق وزارة الصحة، أسفرت الغارة أيضاً عن سقوط قتيل آخر وإصابة 15 شخصاً.
بالتوازي، كان الجيش الإسرائيلي يجري تدريبات تحاكي دخولاً برياً إلى لبنان، فيما أعلن قائد سلاح الجو الإسرائيلي أن قواته تستعد لدعم أي عملية برية محتملة ومنع وصول الأسلحة من إيران إلى "حزب الله".
وهكذا، مع حلول ليل 26 أيلول، كان المشهد واضحاً: مبادرة دولية لوقف النار من جهة، واستمرار الاغتيالات والغارات والاستعدادات العسكرية الإسرائيلية من جهة أخرى.
الجمعة 27 أيلول.. اليوم الأخير
في اليوم التالي، وصل بنيامين نتنياهو إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك وألقى خطابه، في وقت كانت العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان مستمرة.
أما في بيروت، فكان نصرالله موجوداً داخل مقر قيادة تحت الأرض في الضاحية الجنوبية، وفق الرواية الإسرائيلية التي أُعلنت لاحقاً. حينها، قال الجيش الإسرائيلي إن اجتماعاً لقيادات من "حزب الله" كان منعقداً في المكان، وإن علي كركي، قائد جبهة الجنوب في الحزب، كان من بين الموجودين.
وفي الساعة 6:21 مساءً بحسب الجيش الإسرائيلي، بدأت عملية أطلق عليها اسم "النظام الجديد" (New Order). ووفق معلومات نشرها الجيش الإسرائيلي لاحقاً، هاجمت طائرات سلاح الجو المقر تحت الأرض باستخدام 83 قنبلة بصورة متزامنة.
بعد دقائق، دوّت انفجارات ضخمة في حارة حريك في الضاحية الجنوبية لبيروت، وتصاعدت أعمدة كثيفة من الدخان. وأعلن الجيش الإسرائيلي سريعاً أنه استهدف "المقر المركزي" لـ"حزب الله" الموجود، بحسب روايته، أسفل مبان سكنية.
كانت قوة الضربة غير اعتيادية، وسرعان ما بدأ السؤال ينتشر: هل كان حسن نصرالله داخل الموقع؟
ساعات من الغموض
لم يصدر "حزب الله" فوراً بياناً يكشف مصير أمينه العام. وبعد الغارة، نقلت رويترز عن مصدر قريب من الحزب قوله إن نصرالله لا يزال حياً، فيما قال مسؤول أمني إيراني رفيع إن طهران تتحقق من مصيره.
وفي المقابل، بدأت المعلومات الإسرائيلية تشير إلى أن الهدف الرئيسي للعملية كان نصرالله نفسه.
واستمرت الضاحية تحت القصف خلال الليل، وأصدر الجيش الإسرائيلي إنذارات بإخلاء مبانٍ في مناطق منها، طالباً من السكان الابتعاد عنها مسافة 500 متر على الأقل.
كذلك، أكدت الولايات المتحدة أنها لم تكن على علم مسبق بالعملية، فيما قال الرئيس الأميركي جو بايدن إن واشنطن لم تكن لديها معرفة مسبقة بالضربة ولم تشارك فيها.
صباح 28 أيلول.. الإعلان
في صباح اليوم التالي، أعلن الجيش الإسرائيلي رسمياً قتل نصرالله في الغارة، إلى جانب علي كركي وقياديين آخرين.
وبعد ساعات، حسم "حزب الله" الأمر وأصدر بياناً رسمياً أعلن فيه استشهاد أمينه العام الذي قاد الحزب منذ عام 1992.
كذلك، أعلنت إيران مقتل العميد عباس نيلفروشان، نائب قائد العمليات في الحرس الثوري الإيراني، في الضربة نفسها.
لماذا كانت الساعات الـ24 السابقة مهمة؟
تُظهر الوقائع أن اغتيال نصرالله جاء في ختام أسبوع شديد القسوة على قيادة "حزب الله": انفجارات أجهزة الاتصال، اغتيال إبراهيم عقيل وقياديين من قوة الرضوان، مقتل قائد منظومة الصواريخ إبراهيم قبيسي، ثم مقتل محمد سرور في 26 أيلول، وصولاً إلى استهداف نصرالله في اليوم التالي.
اللافت أن الضربة جاءت أيضاً بينما كانت الجهود الأميركية- الفرنسية تتحدث عن هدنة لمدة 21 يوماً. ففي أقل من 48 ساعة، انتقل المشهد من الحديث عن نافذة دبلوماسية لوقف التصعيد إلى واحدة من أكبر عمليات الاغتيال التي شهدها لبنان منذ عقود.