قد يكون من المبكر القول إن
لبنان دخل فعلاً في ورشة لإنتاج "طائف جديد"، لكن الكلام الذي أطلقه رئيس الحكومة نواف سلام عن تصحيح ما تم تشويهه من بنود الطائف، وتطوير
الدستور عند الحاجة وفق قواعده لا بتجاوزها، يفتح الباب أمام نقاش مختلف عن كل النقاشات السابقة التي
دارت حول اتفاق الطائف.
فالرجل لا يتحدث عن إسقاط الطائف ولا عن استبداله، بل عن العودة إليه من زاوية مختلفة، أي ماذا نُفّذ منه، وماذا لم يُنفّذ، وماذا شُوّه منه عند التطبيق، وأين ظهرت ثغرات تستدعي المعالجة؟ وهذه ليست أفكاراً جديدة في خطاب سلام، إذ سبق أن اعتبر أن الطائف لا يزال يشكل أساس النظام الدستوري، وأن المطلوب تنفيذ أحكامه غير المنفذة وتصحيح ما شُوّه منها وسد الثغرات التي ظهرت في الممارسة.
الجديد في التوقيت أن هذا الكلام يصدر اليوم من موقع رئاسة الحكومة، وفي لحظة يحاول فيها لبنان إعادة بناء مؤسساته واستعادة قدرة
الدولة على اتخاذ القرار وتنفيذه. ولذلك فإن عبارة سلام عن أن "التعطيل" لا يمكن أن يصبح جزءاً من القواعد غير المكتوبة للحكم تبدو أكثر من مجرد ملاحظة دستورية. فهي تضع واحدة من أكثر الإشكاليات تعقيداً في النظام اللبناني أمام النقاش، إذ متى يتحول التوافق من وسيلة لحماية الشراكة الوطنية إلى آلية لتعطيل المؤسسات؟
اتفاق الطائف قام أصلاً على فكرة إعادة توزيع الصلاحيات وتعزيز العمل الجماعي داخل السلطة التنفيذية، لكنه ترك في الوقت نفسه عدداً من المسائل التي لم تستكمل، فيما بقيت بنود إصلاحية أساسية، كاللامركزية الإدارية ومجلس الشيوخ والهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية السياسية، خارج التنفيذ الكامل. وقد أكدت الحكومة الحالية في بيانها الوزاري
التزام تطبيق البنود غير المنفذة، ومنها اللامركزية واستقلالية
القضاء والهيئة الوطنية ومجلس الشيوخ، إلى جانب إصلاحات أخرى تتصل بالمؤسسات الدستورية. وهنا تبدأ فكرة "طائف جديد" من داخل الطائف.
فإذا كان الاتفاق قد وضع آليات انتقالية وإصلاحية، ثم بقي بعضها معلقاً لعقود، وإذا كانت الممارسة السياسية قد أنتجت أعرافاً لم ينص عليها الدستور، فإن السؤال لم يعد فقط عمّا إذا كان لبنان يحتاج إلى اتفاق جديد، بل الأصح أن يُسأل عمّا إذا كان لبنان يحتاج فعلًا إلى تنفيذ الاتفاق القديم كما كُتب، ثم تعديل ما أثبتت التجربة أنه يحتاج إلى تعديل؟ وهذا فرق جوهري.
فالتطوير الذي يتحدث عنه سلام لا يفترض بالضرورة إعادة توزيع الطوائف للحصص أو فتح بازار جديد للصلاحيات. بل يمكن أن يبدأ من مكان آخر: تحديد قواعد واضحة لاتخاذ القرار، معالجة الثغرات التي تسمح بإطالة أمد الأزمات، تعزيز استقلال المؤسسات، وتحديد العلاقة بين السلطات بما يمنع أن تتحول كل أزمة سياسية إلى أزمة دستورية.
ولعل أكثر ما يلفت في طرحه قوله إن «لا تعارض بين حماية التعدد وبناء الدولة»، وإن «لا تعارض بين احترام الطائف وإصلاح النظام». بهذه المعادلة يحاول فصل أمرين اختلطا طويلاً في التجربة
اللبنانية: حماية التوازن الطائفي من جهة، وتعطيل الدولة باسم هذا التوازن من جهة أخرى.
فلبنان لا يستطيع إلغاء تركيبته التعددية، لكنه في المقابل لا يستطيع أن يجعل من التعددية سبباً لتعطيل المؤسسات. كما أن احترام الطائف لا يعني تجميد الدستور عند صيغة عام 1990، إذا كانت التجربة قد كشفت ثغرات تحتاج إلى معالجة عبر الآليات التي يتيحها الدستور نفسه.
ومن هنا تكتسب عبارة "تطوير الدستور هو الذي يحافظ على قدرته لتأدية وظيفته" أهمية خاصة. فهي تنقل النقاش من ثنائية "مع الطائف أو ضده" إلى سؤال أكثر عمقًا، وهو: كيف يبقى الطائف قادراً على إنتاج دولة تعمل؟
المسألة، إذاً، ليست في تسمية المرحلة المقبلة "طائفاً جديداً" أو "
جمهورية ثالثة" بقدر ما هي في معرفة ما إذا كان اللبنانيون مستعدين أخيراً للانتقال من إدارة الأعراف إلى إدارة النصوص، ومن التسويات المؤقتة إلى قواعد مؤسساتية واضحة.
وقد سبق لسلام أن استخدم تعبير "الجمهورية الثالثة" في سياق رؤيته الإصلاحية، رابطاً إياها بإعلاء منطق المؤسسات ومعالجة الاختلالات في عمل السلطتين التنفيذية والتشريعية وعلاقتهما بالقضاء.
لكن أي ورشة من هذا النوع ستصطدم حكماً بالسؤال الأصعب عن الجهة المسؤولة عن تشويه الطائف، وما الذي يحتاج إلى تطوير، وما الذي يجب أن يبقى كما هو؟
فالدستور لا يُعدّل بالرغبات السياسية، والطائف لا يُفسّر وفق موازين القوى المتبدلة. وإذا كان سلام يقول إن التطوير يجب أن يتم "وفق قواعده لا بتجاوزها"، فإن الامتحان الحقيقي سيكون في احترام هذه
القاعدة تحديداً.
عندها فقط يمكن أن يتحول الحديث عن "طائف جديد" من شعار سياسي إلى ورشة دستورية فعلية؛ ورشة لا تبدأ بإلغاء الطائف، بل ربما تبدأ للمرة الأولى بمحاولة تطبيقه كاملاً، ثم إصلاح ما أثبتت الممارسة أنه لم يعد كافياً.
والسؤال الذي يطرح نفسه اليوم ليس ما إذا كان الطائف قد انتهى، بل ما إذا كان لبنان يستعد أخيراً لإعادة اكتشاف "طائفه" قبل البحث عن طائف آخر.